منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٢٢٩ - مواعظ النبيّ
طوبى لمن عمل بعلمه، و أنفق الفضل من ماله، و أمسك الفضل من قوله
[١].* و لا عجب بأبي ذرّ الذي اتّعظ بهذه المواعظ، و تأدّب بهذه الآداب، أن يقابل الباطل بالحقّ، و لا يؤثّر فيه التهديد حتّى أبعد عن دياره، و تحقّق ما
قاله الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حقّه: يعيش وحده، و يموت وحده، و يبعث وحده، و يدخل الجنّة وحده
[٢]. و لم يؤثّر فيه التطميع، فقد أرسل إليه عثمان موليين له و معهما مائتا دينار، فقال لهما: انطلقا بها إلى أبي ذرّ، فقولا له: إنّ عثمان يقرؤك السلام، و هو يقول لك هذه مائتا دينار فاستعن بها على ما نابك. فقال أبو ذرّ: هل أعطى أحدا من المسلمين مثل ما أعطاني؟ قالا: لا، قال: فإنّما أنا رجل من المسلمين يسعني ما يسع المسلمين، قالا له: إنه يقول هذا من صلب مالي، و باللّه الذي لا إله إلّا هو ما خالطها حرام، و لا بعثت بها إليك إلّا من حلال، فقال: لا حاجة لي فيها، و قد أصبحت يومي هذا و أنا من أغنى الناس. فقالا له: عافاك اللّه و أصلحك ما نرى في بيتك قليلا و لا كثيرا ممّا يستمتع به! فقال: بلى، تحت هذه [هذا] الإكاف الذي ترون رغيفا شعير قد أتى عليهما أيّام ... [٣].
و أرسل عثمان مع عبد له كيسا من الدراهم إلى أبي ذرّ، و قال له: إن قبل هذا فأنت حرّ. فأتى الغلام بالكيس إلى أبي ذرّ و ألحّ عليه في قبوله، فلم يقبل، فقال:
اقبله فإنّ فيه عتقي، فقال: نعم، و لكن فيه رقّي [٤].
[١] بحار الأنوار ج ٧٤ ص ٧٤، و بتفاوت في مكارم الأخلاق ص ٤٥٩.
[٢] اختيار معرفة الرجال ج ١ ص ٩٨، أبو ذر ٤٨.
[٣] اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ج ١ ص ١١٨، أبو ذر ٥٣.
[٤] الكشكول للبهائي ج ١ ص ٢٠٨.