منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٤٠٣ - فضائله و مناقبه
الكائنات إلى أصغر الذرّات، و التعقّل فيها يرشد إلى أنه لا يمكن أن تكون المادّة و القوّة الفاقدتان للعلم و الإدراك مبدأ العالم بنظامه الحاكم على كلّ جزء من أجزائه، و على كلّ هذه الأجزاء، و على التفاعل و التأثير و التأثّر المتقابل بينهما بميزان و حساب، و لا يمكن أن تكون الحياة منتهية إلى الميّت بالذات، بل كلّ موجود محتاج بافتقار وجوده إلى الغني بالذات، و بتبدّله و تغيّره بلا اختيار من حال إلى حال، مقهور لمن هو محوّل الأحوال.
فلا ينفك العقل و العلم عن الإيمان، و بكمال العقل يصل الإنسان إلى مقام يكون جوهر نفسه منزّها عن كدورة الكفر و الشرّ، و منوّرا بنور الرشد و الخير، و الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ [١].
العاقل ينفق فضل ماله، فبفضل ماله يسدّ لأرباب الحاجة ضرورات حياتهم، فيكون إنفاقه سببا لطهارة نفسه من البخل، و صيانة للمجتمع من الطغيان.
و يمسك فضل كلامه، و بهذا الإمساك يحفظ قوّة جسمه و روحه، و يتنزّه عن اللغو و الباطل، و بما أنّ الحكمة التي هي كمال العقل تقتضي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فحاجة الجسم المخلوق للفناء محدودة بالقوت و الزائد عليه ليس له، و إنّما هو لغيره فنصيبه من الدّنيا القوت، و حاجة الروح المخلوق للبقاء إلى العلم الذي لا حدّ له، فلا يمل من طلب العلم طول دهره. [٢]
و عند ما يرى العاقل أنّ غير اللّه ذليل اللّه إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [٣] و إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً [٤] يكون الذلّ مع اللّه أحبّ إليه من العزّ مع غيره.
[١] سورة الأعراف: ٥٨.
[٢] إشارة إلى ما في تحف العقول ص ٤٤٣، من قصار هذه المعانى عن على بن موسى الرّضا (عليه السلام).
[٣] سورة مريم: ٩٣.
[٤] سورة يونس: ٦٥.