منهاج الصالحين - الوحيد الخراساني، الشيخ حسين - الصفحة ٤٠٥ - كراماته
رجليه نعلان و قد جلس منفردا، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفية يريد أن يكون كلّا على الناس في طريقهم، و اللّه لأمضين إليه و لأوبّخنّه، فدنوت منه، فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [١] ثمّ تركني و مضى، فقلت في نفسي إنّ هذا لأمر عظيم قد تكلّم بما في نفسي و نطق باسمي، و ما هذا إلّا عبد صالح لألحقنّه و لأسألنّه أن يخالّني فأسرعت في أثره فلم ألحقه و غاب عن عيني، فلمّا نزلنا واقصة و إذا به يصلّي و أعضاؤه تضطرب و دموعه تجري، فقلت: هذا صاحبي أمضي إليه و أستحلّه، فصبرت حتّى جلس، و أقبلت نحوه فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اتل وَ إِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [٢] ثمّ تركني و مضى فقلت: إنّ هذا الفتى لمن الأبدال، قد تكلّم على سرّي مرّتين، فلمّا نزلنا زبالة إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر و أنا أنظر إليه، فرأيته قد رمق السماء و سمعته يقول:
ء و قوتي إذا أردت الطعاما أنت ربّي إذا ظمئت إلى الما
اللّهمّ سيّدي ما لي غيرها فلا تعدمنيها، قال شقيق: فو اللّه لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمدّ يده و أخذ الركوة و ملأها ماء فتوضّأ و صلّى أربع ركعات، ثمّ مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده و يطرحه في الركوة و يحرّكه و يشرب، فأقبلت إليه و سلّمت عليه فردّ عليّ السلام، فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك، قال: يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة و باطنة فأحسن ظنّك بربّك، ثمّ ناولني الركوة فشربت منها فإذا هو سويق و سكّر، فو اللّه ما شربت قط ألذّ منه و لا أطيب ريحا، فشبعت و رويت، و أقمت أيّاما لا أشتهي طعاما و لا شرابا.
[١] سورة الحجرات: ١٢.
[٢] سورة طه: ٨٢.