صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٩٨ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
بهذه المقدّمات الثلاث نستنتج أنّ الأمر بالسعي في الآية ليس للوجوب بل هو للاستحباب؛ لأنّ المقدّمة الثالثة وهي عدم وجوب الحضور للخطبة على ما هو المتّفق عليه قرينة على أنّ المراد بالأمر بالسعي إلى الخطبة هو الاستحباب؛ وذلك لأهمّية المواعظ والمعارف التي يدلي بها خطيب الجمعة سيما إذا كان الخطيب رسول الله (ص)، فالآية إذاً ترغيب في الحضور لاستماع الخطبة، ولا دلالة فيها على وجوب الحضور للخطبة، فضلًا عن دلالتها على وجوب إقامة صلاة الجمعة.
والذي يؤيّد هذا الاستنتاج ذيل الآية، وهو قوله تعالى: ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؛ فإنّ وصف السعي إلى الحضور للصلاة والخطبة بكونه خيراً يدلّ على الاستحباب؛ لأنّ لفظة «خير» إنّما تستعمل للتفضيل، فتكون دالّة على وجود عملين كلاهما راجح، لكنّ أحدهما أشدّ رجحاناً من الآخر، فهو إذاً خير منه. ويشهد على إرادة معنى التفضيل الدالّ على الاستحباب من الخير في الآية تتبّع استعمالات كلمة الخير في القرآن الكريم؛ إذ نجد استعمالها في معنى التفضيل في القرآن الكريم إلّا في موارد خاصّة دلّت القرينة من الخارج على إرادة الوجوب والتعيين منها؛ كقوله تعالى:
وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ[١].
والجواب على هذا الاعتراض بوجوه:
الوجه الأول: لا منافاة بين وجوب السعي إلى الصلاة بخطبتيها بمجرّد حلول الوقت، وبين الإجزاء في فرض عدم الحضور للخطبة كما هو الحال عند الحضور فيما قبل الركوع الأوّل من الصلاة؛ لجواز الالتحاق بالصلاة من ركوع الركعة الأولى، فالآية تدلّ على وجوب الإسراع إلى الخطبتين والصلاة، والغرض منه إدراك ما يتيسّر إدراكه بالإسراع من مجموع الخطبتين
[١] المصدر السابق: ١٧- ١٩.