صلاة الجمعة من كتاب الصلاة - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٩٥ - الأمر الثاني أدلة القول بوجوب صلاة الجمعة تعيينا مطلقا
«كَانَ طُولُ حَائِطِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ (ص) قَامَةً فَكَانَ يَقُولُ (ص) لِبِلَالٍ إِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ: يَا بِلالُ اعْلُ فَوْقَ الْجِدَارِ وَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالأَذَانِ ...» الحديث[١].
وتدلّ الروايات الكثيرة على أنّ رسول الله (ص) كان إذا أذّن بلال لصلاة الجمعة بدأ بالخطبتين قائماً على منبره، فاذا انتهى منهما جلس على المنبر حتّى يقيم بلال، فإذا أقام بدأ بالصلاة. ويدلّ على ذلك قوله تعالى: وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً، فقد اتّفقت الروايات من طرق الشيعة والسنّة على أنّ ترك رسول الله وهو قائم إنّما كان أثناء الخطبة، فقد روى الطبرسي في مجمع البيان عن الحسن وأبي مالك قالا:
أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ جُوعٌ وغَلاءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بِتِجَارَةِ زَيْتٍ مِنَ الشَّامِ والنَّبِيُّ (ص) يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامُوا إِلَيْهِ بِالْبَقِيعِ خَشْيَةَ أَنْ يُسْبَقُوا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ (ص) إِلّا رَهْطٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ[٢].
فإذا كان الذمّ لمن ترك الرسول قائماً ذمّاً لمن تركه قائماً حال الخطبة، دلّت الآية على وجوب السعي منذ أوّل وقت صلاة الجمعة لإدراك الخطبتين، وأنّ النداء الذي جاء في الآية السابقة يقصد به الأذان المقارن لدخول الوقت، فتدلّ الآية على وجوب السعي إلى الجمعة بمجرّد دخول الوقت، وبما أنّ الصلاة لاتقام عند دخول الوقت بل بعد الخطبتين، فلا يمكن أن يكون المراد بالآية عدم وجوب السعي إلّا بعدما أقيمت الصلاة؛ لأنّ الآية تدلّ على وجوب السعي إلى ذكر الله قبل إقامة الصلاة؛ بشهادة الذمّ لمن ترك الخطبتين، الدالّ على أنّ الأمر بالسعي أيضاً إنّما هو أمر بالسعي إليها قبل إقامتها، فيتعيّن أن يكون المراد بالآية: وجوب السعي لإقامة الجمعة بمجرّد حلول الزوال ودخول وقت الصلاة.
ولهذا قال الطبرسي في مجمع البيان بعد توضيحه لما ورد في تفسير الآية وشأن نزولها:
[١] الكافي ٣٠٧: ٣.
[٢] مجمع البيان ٢٨٧: ١٠.