هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٢٠٦ - المختار في تعريف البيع
القصر و التمام. و الألفاظ لم توضع إلّا لتفهيم المقاصد و ما في الضمائر، و هذا من الأفعال الاختيارية، فما بيد المتكلم هو إبراز ما في نفسه باللفظ سواء أ كان صفة راسخة فيها كالشجاعة، أم اعتبارا- كالملكية و الزوجية و الرقية و نحوها من الاعتبارات الشرعية أو العقلائية، فإنّ إيجاد تلك الاعتبارات في وعاء الاعتبار بيد معتبرها من الشارع أو العقلاء.
و عليه فمقتضى عدم اختياريّة تلك الاعتبارات للمتكلم، و كون الألفاظ مبرزة للمعاني المقصودة- حيث إنّ الغرض من وضع الألفاظ هو المبرزية و الحكاية عن المقاصد، على اختلافها في التفهيم من كونها حكاية عن نسبة لها خارج أو عن إيجاد نسبة- هو كون الإنشاء عبارة عن إبراز نسبة إيجادية، فإن كان ما في النفس إيجاد نسبة بين الصلاة مثلا و بين المخاطب و إيقاع المادة عليه فيبرزه بقوله: «صلّ» أو كان ما في النفس ملكية دار معيّنة لزيد، أو زوجية هند له، فيبرزه بقوله: «بعت، أو زوّجت» فإذا أبرز ما في النفس بألفاظ وضعت لإفهامها و إبرازها اعتبر العقلاء أو الشرع في عالم الاعتبار ذلك الاعتبار المقصود له الكامن في نفسه.
فالإخبار و الإنشاء يشتركان في الإبراز عمّا في النفس كما هو الغرض من وضع الألفاظ، و يفترقان في المبرز، لأنّه في الإنشاء قصد إيجاد نسبة، و في الإخبار قصد الحكاية عن نسبة لها خارج تطابقه أو تخالفه، فلذا يتصف الخبر بالصدق و الكذب، بخلاف الإنشاء، لأنّه إيجاد نسبة كانت معدومة، فليس لها خارج حتى يتصف بالصدق و الكذب.
و الحاصل: أنّ الأمرين المتقدمين- و هما: كون الألفاظ موضوعة لتفهيم المقاصد و ما في الضمائر، و كون الأمر غير الاختياري غير قابل للإيجاد- يقتضيان أن يكون موضوع الأمر الاعتباري بيد المتكلم، لا نفس الاعتبار، فإنّ ذلك من شأن معتبره من العقلاء أو الشرع.
فالمتكلم حين تلفظه بقوله: «بعت» مثلا يبرز ما في نفسه من تبديل ماله بمال، فيبرز هذا المقصود بلفظ «بعت» المستعمل فيما وضع له. و هذا الإبراز موضوع لحكم الشرع أو العقلاء بالملكية. و هكذا التزويج و نحوه. فالاختلاف بين الإنشاء و الإخبار إنّما هو في الوضع، لا في القصد كما عليه صاحب الكفاية، و لا يرد عليه شيء مما أسلفناه كما هو ظاهر بالتأمّل.
لكن هذا التقريب لا يخلو أيضا من تأمل، فإنّ مصبّ النزاع في إيجادية الإنشاءات