هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٦٨ - جواز وقوع عمل الحرّ ثمنا في البيع
..........
خياطة ثوب، بأن يقول البائع: «بعتك كتابي بخياطة هذا الثوب» و قبله المشتري. و في صحة هذا البيع وجهان أحدهما الصحة، و الآخر البطلان.
و وجه الأوّل: انطباق تعريف البيع عليه، إذ المراد بالمال كل ما يتنافس العقلاء عليه و يبذلون بإزائه شيئا، عينا أم منفعة أم عمل حرّ أم خدمة عبد، و من الواضح صدق المال على عمل الحرّ كخياطته و نجارته سواء وقعت معاوضة عليه أم لم تقع، فالمناط كون العمل في حدّ نفسه مما يرغب فيه النوع. و لولاه لزم بطلان إجارة عمل الحرّ، لوضوح اعتبار مالية المنفعة في باب الإجارة أيضا، مع أنّه لا ريب في صحتها. و من المعلوم أن وزان الإجارة وزان البيع في مبادلة الأموال، غايته أن هذا يفيد تمليك الأعيان، و تلك تفيد تمليك المنافع.
و وجه الثاني:- و هو البطلان- احتمال اعتبار مالية العوضين- في حدّ ذاتهما- قبل ورود البيع عليهما، لظهور تعريف المصباح في وقوع المبادلة بين شيئين اتّصفا بالمالية مع الغض عن المعاوضة، و من المعلوم أن عمل الحرّ- قبل المعاوضة عليه بإجارة أو صلح- ليس مالا، بل ماليته تتوقف على المعاوضة عليه، فالخيّاط بمجرد معرفته بالخياطة ليس ذا مال، و إنّما يصير كذلك إذا ملّك عمله للغير بعوض.
و يكشف عن عدم مالية عمل الحرّ- في حد ذاته- ما ذكروه في مسائل:
الأولى: في الاستطاعة المالية للحج، حيث لا يعدّ الكسوب المحترف مستطيعا من ناحية كسبه و صنعته، و تتوقف استطاعته المالية على أن يؤجر نفسه للغير- قبل الحج- بما يفي بمئونة حجه، فلو خرج مع الرّفقة و لا يجد ما يحجّ به لا يجب عليه أن يؤجر نفسه في الطريق بما يكفي لنفقته، لأنّه تحصيل للاستطاعة، و من المعلوم عدم وجوب تحصيلها.
و لو كان نفس عمل الحر و صنعته مالا- سواء آجر نفسه للغير أم لا- لكان مستطيعا قبل الإجارة و واجدا لما يحجّ به، و وجب عليه إجارة نفسه مقدمة لأداء الحج الواجب عليه.