هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ٣٠١ - توجيه الوضع للصحيح
و شبهه (١) في العرف إذا استعمل في الحاصل
بنظر غيرهم. و نتيجة تعدد الاعتبارات كون كلّ واحد من الأفعال مصداقا حقيقيا لذلك المفهوم الوحداني، من دون أن يخطئ بعضهم بعضا.
إذا اتّضح ما ذكرناه فنقول في توجيه كلام الشهيدين (قدّس سرّهما)- من وضع ألفاظ المعاملات للصحيح، و أنّ استعمالها في الفاسد مجاز-: إنّ المعاملات أمور عرفية اعتبرها العقلاء قبل الشريعة الإسلامية لتنظيم شؤون مجتمعهم، و لم يخالفهم الشارع الأقدس في أصل المفهوم، و لم يخترع طريقا آخر، و لم يتصرّف فيها تصرّفا أساسيا، و إنّما ردع عن بعضها كالبيع الربوي و الملامسة و المنابذة، و نكاح الشغار، و زاد قيدا في بعضها الآخر كاعتبار البلوغ في المتعاقدين، و اعتبر في بعضها صيغة خاصة كما في الطلاق.
و ليس هذا التصرف راجعا الى تغيير أصل المفهوم حتى يكون المستعمل فيه من لفظ «البيع» عند الشارع مغايرا لما هو عند العرف، بل المستعمل فيه واحد عندهما، و هو ما يترتّب عليه الأثر المترقب كمبادلة إضافة الملكية، غاية الأمر أنّ للبيع مثلا مصداقين حقيقيين أحدهما منسوب الى الشارع و مضاف اليه، و هو موضوع للآثار الشرعية، و الآخر منسوب الى العرف و هو الموضوع للآثار الخاصة عندهم، و ينطبق على كليهما ذلك الجامع الوحداني أعني به «النقل المؤثّر» فيكون اختلاف العرف و الشرع في ترتب الملكية عند أحدهما دون الآخر نظير اختلاف طائفتين في كون ما به التعظيم هو القيام خاصّة أو فعل آخر. و السّر في تعدد الأنظار حينئذ هو أنّ المعاملات لا حقائق لها وراء الاعتبار.
و المتحصّل: أنّ الموضوع له في مثل «البيع» بمعناه المصدري هو الإنشاء المؤثّر في النقل و الانتقال، فإن ترتّب عليه الأثر- و لو بنظر العرف- اتّصف بالصحة، و إلّا كان فاسدا، و يتوقف استعماله فيه مجازا على قرينة. و إرادة هذا المعنى من الصحة لا يمنع من الرجوع الى إطلاقات أدلّة الإمضاء كما سيظهر إن شاء اللّه تعالى.
(١) كالإجارة و النكاح و الرهن و نحوها من عناوين العقود و الإيقاعات مما يكون رائجا عند العقلاء مع الغضّ عن الشرع.