هدى الطالب في شرح المكاسب - المروج الجزائري، السيد محمد جعفر - الصفحة ١٩٩ - المختار في تعريف البيع
بوجود لفظي في قبال وجوده في أفق الاعتبار. هذا.
و يمكن أن يستدلّ للمشهور- و هو الإيجادية بمعنى التسبيب- بتمهيد أمور:
أحدها: أنّ الإنشاء لغة هو الخلق، ففي الصحاح: «أنشأه اللّه: خلقه». و في المجمع:
«أنشأكم، أي: ابتدأكم و خلقكم ..، و النشأة الأخرى: الخلق الثاني» [١] و لم يثبت نقله الى معنى آخر، فالإنشاء هو الإيجاد و الخلق، و ليس الإبراز مرادفا له و لا مما يؤدّي معناه، حيث إنّ الإبراز هو الإظهار. قال في المجمع: «و ترى الأرض بارزة أي: ظاهرة» [٢] و من المعلوم أنّ الإبراز مترتب على الوجود، لأنّه إظهار، و هو منوط بوجود شيء قبل الإظهار، فلا يكون الإبراز إنشاء أي إيجادا.
ثانيها: أنّ كل معنى يتصف بالوجود اللفظي حين الاستعمال، سواء أ كان ذلك المعنى موجودا عينيا أم ذهنيا، و سواء أ كان جوهرا أم عرضا. و لكن هذا الوجود اللفظي ليس محل البحث في إيجاد المعنى باللفظ في الإنشاء، إذ المقصود به وجوده في وعاء الاعتبار، هذا.
ثالثها: أنّ ترتب الوجود الخارجي و كذا الصفات النفسانية على الألفاظ ترتب المعلول على العلة بمكان من الإمكان، بل واقع، كتأثير الكلام العنيف في اصفرار وجه الوجل. و كتأثير ذكر النار و دركاتها و شدة عذابها في حصول الخوف الذي هو من صفات النفس. و من المعلوم أنّه لا فرق بين الوجود الخارجي و الوجود الاعتباري في إمكان عليّة اللفظ لهما، بل الثاني أهون من الأوّل، لأنّه اعتبار محض، بخلاف الوجود الخارجي.
فدعوى إمكان إيجاد المعنى في الجملة في وعاء الاعتبار باللفظ- سواء أ كان المعنى خارجيا أم اعتباريا و سواء أ كان معنى حقيقيّا للفظ أم غيره كالأمثلة المتقدمة من اصفرار وجه الوجل بالكلام العنيف و نحوه- غير مجازفة.
رابعها: أنّ المسلّم عدم اتصاف الإنشاء بالصدق و الكذب، و إنّما المتصف بهما هو الإخبار، و حينئذ فإن قلنا: إنّ الإنشاء هو الإبراز بمعنى إظهار ما في النفس فلا بد من اتّصافه
[١]: مجمع البحرين، ج ١، ص ٤١٥ و ٤١٦
[٢] مجمع البحرين، ج ٤، ص ٦