سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٤ - الأول في بيان حجاته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)
الباب الثاني في بيان عدد حجاته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل الهجرة و عمره
و فيه نوعان:
الأول: في بيان حجاته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:
روى الترمذي، و ابن ماجة، و الحاكم، عن ابن عباس أو جابر قال: «حج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجر و حجة بعد ما هاجر» [١].
قال الحافظ: «و هو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، و هذا لا يقتضي نفي الحجّ بعد ذلك».
و قال سفيان الثوري: «حجّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن يهاجر حججا»، رواه الحاكم بسند صحيح.
و قال أبو الفرج- (رحمه اللّه تعالى)-: في كتاب «منير العزم الساكن»: «حج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حججا قبل النبوة و بعدها، لا يعرف عددها».
و قال ابن الأثير- (رحمه اللّه تعالى)- كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يحج كل سنة قبل أن يهاجر لم يترك الحج و قال الحافظ الذي لا أرتاب فيه أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يحج كل سنة قبل أن يهاجر لم يترك الحج و هو بمكة قط لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، و إنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف، و إذا كانوا و هم على غير دين يحرصون على إقامة الحج، و يرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن بالنبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أنه يتركه، و قد ثبت حديث جبير بن مطعم أنه رآه في الجاهلية واقفا بعرفة، و أن ذلك من توفيق اللّه تعالى له و لبث دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية كما تقدم في الهجرة إلى المدينة.
قال السهيلي- (رحمه اللّه تعالى)-: و لا ينبغي أن يضاف إليه في الحقيقة إلا حجة الوداع، و إن كان حج مع الناس إذا كان بمكة كما روى الترمذي، فلم يكن ذلك الحج على سنة الحج و كماله، لأنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان مغلوبا على أمره، و كان الحج منقولا عن وقته، فقد ذكر أنهم كانوا ينقلونه على حساب السّنة و الشّهر، يؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما».
[١] الترمذي ٣/ ١٧٨ (٨١٥) و ابن ماجة ٢/ ١٠٢٧ (٣٠٧٦).