سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٢ - الباب الأول في اختلاف العلماء فيما كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يتعبد به- بفتح الموحدة- قبل البعثة هل كان بشرع من تقدمه أم لا؟
شريعته من كان بعدها، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فلا يلزم شريعته من جاء بعدها لعدم أمرهم باتباعها، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي من الأنبياء- (صلوات اللّه و سلامه عليهم)- دعوة عامة لكافة الناس إلا لنبينا- (صلّى اللّه عليه و سلّم).
و أما من قال: إنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان على شريعة إبراهيم و ليس له شرع متعبد به، و أن المقصود من بعثته- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إحياء شرع إبراهيم- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و عوّل في إثبات مذهبه على قوله تبارك و تعالى: ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً [النحل ١٢٣] فهذا قول ساقط مردود، و لا يصدر مثله إلا عن سخيف العقل كثيف الطبع.
و إنما المراد بهذه الآية: الاتباع في التوحيد. لأنه لما وصف إبراهيم (عليه الصلاة و السلام) في هذه الآية بأنه ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فلما قال: اتبع كان المراد ذلك.
و لا حجة أيضا للقائل باتباعه شرع نوح- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- في قوله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الشورى ١٣] فحمل هاتين الآيتين، على اتباعهم في التوحيد، لأنه لما وصف إبراهيم في الآية الأولى- بأنه ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فلما قال: أن اتبع، كان المراد بذلك، بشهادة تفسير المشرّع في الآية الثانية الذي اشترك فيه هؤلاء الأعلام من الرسل، بقوله تعالى: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ أي: دين الإسلام، الذي هو توحيد اللّه تعالى، و طاعته، و الإيمان به و برسله و كتبه و بيوم الجزاء، و سائر ما يكون به المكلف مكلفا إلا المشروع الذي هو مصالح الأمم لاختلاف أحوالهم و تفاوتها المؤذن به قوله تعالى: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً. و قوله تعالى: أُولئِكَ أي الذين ذكروا من الرسل و غيرهم هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ أي بطريقتهم لا بطريقة غيرهم بشهادة الإضافة في الإيمان باللّه و توحيده، و أصول الدين اقْتَدِهْ دون الشرائع لاختلافها، و هي هدى ما لم تنسخ، فإذا نسخت لم تبق هدى.
بخلاف أصول الدين فإنّها هدى أبدا، و قد سمى اللّه تعالى في آية الأنعام في الأنبياء- صلّى اللّه عليهم و سلّم- من لم يبعث و لم تكن له شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و على آبائه على قولة من يقول: إنه ليس برسول.
فدل الأمر باقتدائه بهداهم، أن المراد به أصول الشرائع لا الشرائع نفسها. و سمى جماعة من الأنبياء فيها شرائعهم مختلفة، لا يمكن الجمع بينها فدل اختلافها أن المراد بهداهم ما اجتمعوا عليه من التوحيد و عبادة اللّه تعالى.
قال القاضي: و هل يلزم من قال: يمنع اتباعه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن يوحى إليه بشرع قبله هذا القول في سائر الأنبياء، فلا يكون أحد منهم قبل أن يوحى إليه بشرع قبله غير نبينا- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أو