سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧٣ - الباب الأول في اختلاف العلماء فيما كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يتعبد به- بفتح الموحدة- قبل البعثة هل كان بشرع من تقدمه أم لا؟
يخالفون بينهم فيه قبل أن يوحى إليهم أما من منع الاتباع عقلا، فيطرد أصله الذي هو منع عقلا في كل رسول بلا مزية.
و أما من مال إلى النقل كالقاضي أبي بكر فأيّهما تصور له و تقرر تبعه و عمل بمقتضاه.
و من قال بالوقف فعلى أصله من الإحجام عن تعيين.
و من قال بوجوب الاتباع قبل الوحي لمن قبله من الأنبياء يلزمه سياق حجته و إجراؤها في كل نبي، و أوضح بعضهم كلام القاضي في قوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً بأن المراد بهذه الآية: الاتباع في التوحيد كما تقدم، لأنه تعالى لما وصف إبراهيم في هذه الآية بأنه ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دلّ على أن المراد بالاتباع ذلك.
فإن قيل: إن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إنما نفى الشرك، و أثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية، و إذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد فيمتنع حمل قوله: اتبع على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها.
أجاب الإمام فخر الدين الرازي بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، و هو أن يدعو إليه بطريق الرفق و السهولة و إيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن.
و قد قال صاحب الكشاف ما لفظه: ثم في قوله تعالى ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ تدل على تعظيم منزلة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و إجلال محله، بأن أشرف ما أوتي خليل اللّه من الكرامة، و أجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ملّته من قبل أنّ هذه اللفظة دلّت على تباعد النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه اللّه تبارك و تعالى بها. انتهى.
و مراده بالمدائح المذكورة في قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَ آتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
و قد تقدم لهذا مزيد بيان في الباب السادس.
قال شيخ الإسلام أبو زرعة العراقي في شرح تقريب والده على كلامه عند حديث بدء الوحي، و ليت شعري كيف تلك العبادة و أي أنواعها هي و على أي وجه فعلها يحتاج ذلك إلى نقل و لا أستحضره الآن.
و قال شيخه شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري لم يجيء في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- لكن روى ابن إسحاق و غيره أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «كان يخرج إلى حراء في