سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٥٩ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالعرج
أصواتهم بالتّلبية»، و قال: «يا محمد كن عجاجا ثجاجا» [١]، «رواه الطبراني و غيره».
قلت: جاء جبريل و أهلّ الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- شيئا منه، و لزم- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- تلبيته»، رواه مسلم، و عند أبي داود، و الناس يزيدون «ذا المعارج» و نحوه من الكلام. و النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يسمع، فلا يقول لهم شيئا، ثم إنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خيّرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة. ثم ندبهم عند دنوّهم من مكة إلى فسخ الحج، و القران إلى العمرة، لمن لم يكن معه هدي، ثم حتّم ذلك عليهم عند المروة، ثم سأل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هو يلبّي تلبيته المذكورة، و الناس معه يزيدون فيها، و ينقصون، و هو يقرهم، و لا ينكر عليهم، و لزم تلبيته.
ذكر مسيره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-:
من قال إهلاله و مروره بالروحاء، ثم الأثاية قلت: قال ابن سعد: و مضى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يسير المنازل و يؤم أصحابه في الصّلوات في مساجد له، قد بناها الناس و عرفوا مواضعها. و اللّه تعالى أعلم.
ثم
سار رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)-. و هو يلبي تلبيته المذكورة، فلما كان بالرّوحاء رأى حمارا وحشيا عقيرا، قال: «دعوه يوشك أن يأتي صاحبه»، فجاء صاحبه إلى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قلت: هو رجل من بهز، و اسمه اللّه تعالى أعلم فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «شأنكم بهذا الحمار»، فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أبا بكر فقسمه بين الرفاق، ثم مضى رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حتى كان بالأثاية بين الرّويثة و العرج إذا ظبي حاقف في ظل و فيه سهم، فأمر رجلا- قلت هو أبو بكر الصديق- رضي اللّه تعالى عنه- كما رواه محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن طلحة بن عبيد اللّه، و اللّه تعالى أعلم- فأمره أن يقف عنده لا يريبه أحد من الناس حتى يجاوزوه [٢]،
قال: و الفرق بين قصة الظبي، و قصة الحمار: أن الذي صاد الحمار كان حلالا، فلم يمنع من أكله، و هذا لم يعلم أنه حلال، و هم محرمون، فلم يأذن لهم في أكله، و وكّل من يقف عنده لئلا يأخذه أحد حتى يجاوزوه.
ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بالعرج:
و ضياع زاملته التي بينه و بين أبي بكر، ثم سار- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حتى إذا نزل بالعرج، و كانت زاملته و زاملة أبي بكر واحدة، و كانت مع غلام لأبي بكر، فجلس رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و أبو بكر
[١] أحمد ٤/ ٥٥، ٥٦ و مالك في الموطأ ١/ ٣٣٤ (٣٤) و الشافعي في الأم ٢/ ١٥٦ و الدارمي ٢/ ٣٤ و أبو داود (١٨١٤) و الترمذي (٨٢٩) و النسائي ٥/ ١٦٢ و ابن ماجة ٢/ ٩٧٥ (٢٩٢٢) و ابن خزيمة ٤/ ١٧٣ و الحاكم ١/ ٤٥٠.
[٢] أحمد ٣/ ٤٥٢ و النسائي ٥/ ١٤٣.