سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٧١ - الباب الأول في اختلاف العلماء فيما كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يتعبد به- بفتح الموحدة- قبل البعثة هل كان بشرع من تقدمه أم لا؟
و احتجوا بأن طريق العلم بكونه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- متّبعا في عبادة ربه قبل أن يوحى إليه بشرع النقل هو توارد الخبر على ألسنة النّقلة إلينا، و حجته: أنه لو كان ذلك قد وقع لنقل إلينا، و لو كان لنقل ذلك، و لما أمكن كتمه و ستره في العادة، إذ كان نقله و عدم كتمه من مهم أمره و أولى ما احتفل به لكونه من سيرته و لقال به أهل تلك الشريعة، و لاحتجوا عليه و لم يؤثر شيء من ذلك فعلم أنه لم يكن، و أيضا لو كان متبعا لشرع من قبله لفخر به أهل تلك الشريعة و لاحتجوا باتباعه شريعة من قبله، حتى ادعى النبوة، و لم يرو شيء من ذلك أصلا.
و ذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا، قالوا: لأنه يبعد مع حكم العقل أن يكون متبوعا من علم من الأزل كونه تابعا له- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إذ الأنبياء مأمورون بالإيمان به و النصرة له، كما في قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمران ٨١] بنوا قولهم بامتناع اتباعه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- شرعا قبل أن يوحى إليه، على طريقة التحسين و التقبيح العقليين، و هي طريقة غير سديدة، لبعد مسافتها من مأخذ الشّرع، و رفع قواعدها من شفا جرف هار.
و التعليل الأول و هو الاستناد إلى النقل أولى و أظهر.
و ذهبت طائفة: منهم إمام الحرمين، و الغزالي، و الآمدي، إلى الوقفة في أمره- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و جنحوا إلى ترك قطع الحكم فلم يحكموا عليه بشيء، إذ لم يحل لوجهين منهما العقل لتساويهما عنده في الإمكان، و لاستبان عند هذه الطائفة القائلين بالوقف في أحد الوجهين طريق النقل، لعدم تساويهما في الإمكان فلم يكن أحدهما أولى بترجيح على الآخر.
و ذهبت طائفة أخرى إلى أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان عاملا قبل أن يوحى إليه بشرع من قبله لبعد أن يكون متعبدا بغير شرع قبل بعثته، ثم اختلفت هذه الطائفة الثالثة: هل يتعين ذلك الشرع الذي زعموا أنه كان قبل أن يبعث عاملا به أم لا؟ فوقف بعضهم عن تعيينه، و أحجم- أي نكص فهمه و هاب الجزم بتعيينه لفقد ما يجسره عليه، و جسر بعضهم على التعيين و صمم عليه.
ثم اختلفت هذه الفرقة المعينة، فيمن كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- يتبع دينه من الأنبياء، و يتعبد به قبل أن يبعث.
فقيل: آدم. و هو محكي عن ابن برهان، و قيل نوح، و قيل موسى. و قيل عيسى- (صلّى اللّه عليه و سلّم) عليهم- فهذه جملة المذاهب في مسألة تعبده- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- قبل أن يبعث و الأظهر ما ذهب إليه القاضي و من تبعه، و بعدها مذهب المعينين إذ لو كان شيء من ذلك لنقل إلينا، و أحطنا به خبرا، و لم يخف على أحد و لا حجة لهم من أن عيسى- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- آخر الأنبياء فلزمت