سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٣ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
و ذلك طلوع الفجر، و كان ذلك عند غيبوبة القمر.
و أمرهم ألا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس، و رمى من النساء أسماء بنت أبي بكر، و أم سلمة قبل الفجر. قال في البداية فكان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أمر الغلمان بأن لا يرموا قبل طلوع الفجر، و أذن للظعن في الرمي قبل طلوع الشمس لأنهن أثقل حالا، و أبلغ في الستر.
و في حديث ابن عباس- قدّمنا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أغيلمة بني عبد المطلب على نساء محمد يلطح أفخاذنا و يقول: «أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [١] رواه أحمد
و جئت رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ببقيّة نسائه حتى يدفعن معه حين يصبح.
فلما برق الفجر، صلاها في أول الوقت خلافا لمن زعم أنه صلاها قبل الوقت بأذان و إقامة، يوم النحر، و هو يوم العيد، و هو يوم الحج الأكبر، و هو يوم الأذان ببراءة اللّه و رسوله من كل مشرك،
ثم ركب القصواء حتى أتى موقفه عند المشعر الحرام فوقف على قزح و قال: «كل المزدلفة موقفنا إلا بطن محسّر»،
فاستقبل القبلة، و أخذ في الدعاء و التضرع و التهليل، و التكبير، و الذكر، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، و ذلك قبل طلوع الشمس.
قلت: و
كان أهل الجاهلية لا يدفعون حتى تطلع الشمس على ثبير، و يقولون: أشرق ثبير كيما نغير. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- إنّ قريشا خالفت هدي إبراهيم، فدفع طلوع الشمس.
و هنالك سأله عروة بن مضرّس بن الطائي، فقال: يا رسول اللّه: إني جئت من جبل طيّء أكللت راحلتي و أتعبت نفسي، و اللّه ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- «من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع و قد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد أتم حجّه و قضى تفثه» [٢].
ثم سار بمزدلفة مردفا للفضل بن عباس، و هو يلبي في مسيره، و انطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش، و في طريقه ذلك، أمر الفضل بن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، و لم يكسرها من الجبل، تلك الليلة كما يفعل من لا علم عنده و لا التقطها بالليل، فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف فجعل ينفضهن في كفه و يقول: «أمثال هؤلاء، فارموا، و إياكم و الغلوّ في الدّين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلّو في الدّين»،
و في طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها- و كان شيخا كبيرا
[١] أحمد ١/ ٢٣٤.
[٢] الترمذي ٣/ ٢٣٨ (٨٩١) و أبو داود ٢/ ١٩٦ (١٩٥٠) و النسائي ٥/ ٢١٣ و ابن ماجة ٢/ ١٠٠٤ (٣٠١٦).