سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٧٢ - ذكر نزوله- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بذي طوى، و دخوله مكة، و طوافه و سعيه
أنزل عليه هناك الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً [المائدة/ ٣].
و هناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته و هو محرم فمات، فأمر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أن يكفن في ثوبه، و لا يمس بطيب، و أن يغسل بماء و سدر، و لا يغطى رأسه و لا وجهه و أخبر أنه يبعث يوم القيامة يلبي.
فلما غربت الشمس و استحكم غروبها بحيث ذهبت الصّفرة أفاض من عرفة، و أردف أسامة بن زيد خلفه، و أفاض بالسّكينة، و ضم إليه زمام ناقته القصواء حتى إن رأسها ليصيب طرف رجله، و هو يقول: «أيها الناس عليكم السكينة، فإن البرّ ليس بالإيضاع»، أي ليس بالإسراع، و أفاض من طريق المأزمين و كان دخل مكة من طريق ضبّ».
قلت: و
في حديث ابن عمر- رضي اللّه تعالى عنهما- أن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أفاض من عرفات و هو يقول:
«إليك تغدو قلفا وضينها* * * مخالفا دين النصارى دينها»
رواه الطبراني و قال: المشهور في الرواية أنه من فعل ابن عمر أي: لا مرفوعا، و اللّه تعالى أعلم [١].
ثم جعل يسير العنق و هو ضرب من السير ليس بالسريع و لا البطيء، فإذا وجد فجوة- و هو المتسع- نصّ سيره أي رفعه فوق ذلك و كلما أتى ربوة من تلك الربى أرخى للناقة- و هي العضباء- زمامها قليلا حتى تصعد، و كان يلبي في مسيره ذلك لا يقطع التلبية،
فلما كان في أثناء الطريق مال إلى الشّعب و هو شعب الأذاخر عن يسار الطريق بين المأزمين- نزل- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فبال و توضأ خفيفا، فقال أسامة: الصلاة يا رسول اللّه: فقال: «الصلاة أمامك»، ثم سار حتى أتى المزدلفة.
قلت: نزل قريبا من النار التي على قزح فتوضأ وضوء الصلاة، ثم أمر بالأذان فأذّن المؤذن، ثم أقام الصلاة فصلى المغرب قبل حطّ الرحال، و تبريك الجمال، فلما حطّوا رحالهم أمر فأقيمت الصلاة، ثم صلى العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، و لم يصل بينهما شيئا ثم نام حتى أصبح و لم يحيي تلك الليلة، و أذن في تلك الليلة، قلت عند السحر لمن استأذنه من أهل الضعف من الذرية و النساء، و منهن سودة و أم حبيبة أن يتقدموا إلى منى قبل حطمة الناس،
[١] الطبراني في الكبير و الأوسط و قال الهيثمي ٣/ ٢٥٦ فيه عاصم بن عبد اللّه ضعيف.