سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٩٦ - تنبيه
و في خبر مسروق عن عائشة: أن النبيّ- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خرج بين رجلين قال: فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين، لا صلاة واحدة.
و قال البيهقي- (رحمه اللّه تعالى)- في «المعرفة»: و الذي نعرفه بالاستدلال بسائر الأخبار أن الصلاة التي صلاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- خلف أبي بكر هي صلاة الصبح يوم الاثنين، و هي آخر صلاة صلاها حتى مضى لسبيله، و هي غير الصلاة التي صلاها أبو بكر خلفه، قال و لا يخالف هذا ما ثبت عن أنس في صلاتهم يوم الاثنين و كشف رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ستر الحجرة و نظره إليهم و هم صفوف في الصلاة، و أمره إيّاهم بإتمامها و إرخائه الستر، فإن ذلك إنما كان في الركعة الأولى، ثم إنه وجد في نفسه خفّة فخرج فأدرك معه الركعة الثانية، و قال: و الذي يدلك على ذلك ما ذكره موسى بن عقبة في المغازي و ذكره أبو الأسود عن عروة: «أن النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أقلع عنه الوعك ليلة الاثنين، فغدا إلى صلاة الصبح يتوكأ على الفضل بن عباس و غلام له و قد سجد الناس مع أبي بكر في صلاة الصبح و هو قائم في الأخرى، فتخلص رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حتى قام إلى جنب أبي بكر فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بثوبه فقدمه في مصلاه، فصفّا جميعا، و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- جالس و أبو بكر قائم يقرأ القرآن فلما قضى أبو بكر قراءته قام رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- فركع معه الركعة الأخيرة، ثم جلس أبو بكر حين قضى سجوده يتشهد، و الناس جلوس، فلما سلّم أتمّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- الركعة الأخيرة، ثم انصرف إلى جذع من جذوع المسجد، فذكر قصة دعائه أسامة بن زيد، و عهده إليه فيما بعثه فيه، ثم في وفاة رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- ثم رواه بإسناده إلى ابن شهاب و عروة».
قال البيهقي: فالصلاة التي صلاها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- و هو مأموم صلاة الظهر، و هي التي خرج فيها رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- بين الفضل بن عباس، و غلام له.
قال: و في ذلك جمع بين الأخبار التي وردت في هذا الباب.
و قال ابن حزم- (رحمه اللّه تعالى)- أيضا إنهما صلاتان متغايرتان بلا شك، إحداهما التي رواها الأسود عن عائشة، و عبد الله عنها و عن ابن عباس صفتها أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أمّ الناس و الناس خلفه، و أبو بكر عن يمينه في موقف المأموم، يسمع الناس تكبيره.
و الصلاة الثانية التي رواها مسروق، و عبيد الله عن عائشة، و حميد عن أنس صفتها أنه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان خلف أبي بكر في الصف مع الناس، فارتفع الإشكال جملة، قال: و ليست صلاة واحدة في الدهر فيحمل ذلك على التعارض، بل في كل يوم خمس صلوات، و مرضه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- كان مدة اثني عشر يوما، فيه ستون صلاة أو نحو ذلك انتهى و اللّه تعالى أعلم.