سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٤٤٣ - الباب الأول في الاختلاف في وقت ابتداء فرضه
الثاني: قال العلماء- رحمهم اللّه تعالى- فرض اللّه تعالى الحج على من استطاع إليه سبيلا، و قد كان السبيل إليه ممنوعا بقوة المشركين.
و أيضا كانوا ينقلون الحج عن وقته، فقد ذكر أنهم ينقلونه عن حساب الشهور الشمسية، و يؤخرونه في كل سنة أحد عشر يوما، فلم توجد الاستطاعة إلا عند فتح مكة سنة ثمان، فمنع- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- من التعجيل به، أن المشركين لم يكونوا منعوا منه، لعهود كانت لهم إلى آجال مضروبة، و كانوا يشركون في تلبيتهم، و يطوفون عراة، و قد كان- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- أراد أن يحج مقفله من تبوك، و ذلك بأثر الفتح بيسير، ثم ذكر بقايا المشركين يحجون، و يطوفون عراة فلم يرد النبي- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- سماع إشراكهم في تلبيتهم و لا رؤيتهم عراة، فأخّر رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- الحج حتى نبذ إلى كل ذي عهد عهده، و ذلك في السنة التاسعة فحج بالمسلمين كما قال الماوردي في الحاوي في «باب السير» سير الفتح- عتّاب بن أسيد بوزن أمير الذي أمره رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- على مكة- رضي اللّه تعالى عنه- فلما كان وقت الحج حج المسلمون و المشركون، و كان المسلمون بمعزل يدفع بهم عتاب بن أسيد، و يقف بهم، لأنه أمير البلد.
و في السنة الثانية و هي سنة تسع حج بهم أبو بكر- رضي اللّه تعالى عنه- و أرسل معه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- عليّ بن أبي طالب، فنادى في الناس بنبذ العهد كما في سورة براءة، و أنه لا يحج بعد العام مشرك، و لا يطوف بالبيت عريان، فلما زالت رسوم الشرك، و سير الجاهلية حج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- حجة الوداع سنة عشر، و
قال فيها: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات و الأرض».
فائدة: قال في «زاد المعاد»: دخل رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و سلّم)- مكة بعد الهجرة خمس مرات، سوى المرة الأولى، فإنه وصل إلى الحديبية و صد عن الدخول إليها أحرم في أربع منهن من الميقات لا قبله فأحرم عام الحديبية من ذي الحليفة، ثم دخلها المرة الثانية فقضى عمرته، و أقام بها ثلاثا، ثم خرج، ثم دخلها المرة الثالثة، عام الفتح في رمضان بغير إحرام، ثم خرج منها إلى حنين، ثم دخلها المرّة الرابعة بعمرة من الجعرانة، و دخلها في هذه العمرة ليلا و خرج ليلا فلم يخرج من مكة إلى الجعرانة ليعتمر، كما يفعل أهل مكة اليوم، المرة الخامسة في حجة الوداع.