الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٦٢ - ذكر ردة كندة و حضرموت
فيروى أن أبا هند قال: خرجت من عند زياد بعد أن صليت الغداة على راحلتى، و معى رجل من بنى قتيرة على راحلة خفير لى، فبلغ بى صنعاء، ثم انصرف، فسرت من حضرموت إلى المدينة تسع عشرة، فأرخفت [١] راحلتى، و ما مسيت عنها أكثر مما ركبت، و انتهيت إلى أبى بكر، فأجده حين خرج إلى الصلاة، فلما رآنى قال: أبا هند، ما ورائك؟ قلت: خير، و الذي يسرك. قتل الملوك الأربعة و أختهم العمردة، قال: قد كنت كتبت إلى زياد أنهى أن يقتل الملوك من كندة، و بعثت بذلك المغيرة بن شعبة، أ ما لقيته؟ قلت: ما لقيته.
و قدم المغيرة خلافى، و ذلك أنه أخطأ الطريق، فذلك الذي أبطأ به، و جعل أبو بكر يسألنى، فأخبره عن كل ما يسره، ثم قال: ما فعل الأشعث بن قيس؟ قلت: يا خليفة رسول الله، هو أول من نقض، و هو رأس من بقى، و قد ضوى إليه ناس كثير، و قد تحصن فى النجير بمن معه ممن هو على رأيه، و الله مخزيهم، و قد تركت زياد بن لبيد يريد محاصرتهم، فقال أبو بكر: قد كتبت إلى المهاجر بن أبى أمية أن يمد زيادا و يكون أمرهما واحدا.
و كان النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، لما قتل الأسود العنسى [٢] بعث المهاجر واليا على صنعاء، فتوفى (صلى اللّه عليه و سلم)، و المهاجر وال عليها، فانحاز إلى زياد بحضرموت، كما أمره أبو بكر.
و كانت قتيرة من كندة قد ثبتت على الإسلام، لم يرجع منها رجل واحد، فلما قدم المهاجر على زياد اشتد أمرهما، و كانا يحاصران أهل النجير، و كان أهل النجير قد غلقوه، فلما قتل الملوك الأربعة دخلوا مع الأشعث بن قيس، و جثم زياد و مهاجر على النجير، فحاصروا أهله بالمسلمين، لا يفارقونه ليلا و لا نهارا، و قذف الله الرعب فى أفئدتهم، فلما اشتد به الحصار، بعثوا إلى زياد بن لبيد: أن تنح عنا حتى نكون نخرج و نخليك و الحصن، فقال: لا أبرح شبرا واحدا حتى نموت من آخرنا أو تنزلوا على حكما و رأينا، و جعل يكايدهم لما يرى من جزعهم. فكتب كتابا، ثم بعث به فى السر مع رجل من بنى قتيرة ليلا، مسيرة يوم أو بعض يوم، ثم يأتيه بكتابه الذي كتبه فيقرؤه على الناس:
من أبى بكر خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، إلى زياد بن لبيد، سلام عليك، فإنى أحمد إليك
[١] أرخف: بالكسر أى تعب. انظر اللسان (١٦١٦).
[٢] انظر خبر قتل الأسود العنسى فى: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١٩)، تاريخ الطبرى (٣/ ٢٣٦).