الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٠٥ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
[الكهف: ٨٤، ٨٥]، حتى بلغ مشارق الأرض و مغاربها، و له فى كل إقليم أثر، فبنى بالمغرب الإسكندرية، و بخراسان العليا على ما يقال سمرقند، و مدينة الصغد، و بخراسان السفلى مرو و هراة، و بناحية الجبل جيّ و مدينة أصبهان، و بنى مدنا أخرى كثيرة فى نواحى الأرض و أطرافها، و جال الدنيا كلها و وطئها، فلم يختر منها منزلا سوى المدائن فنزلها، و بنى بها مدينة عظيمة، و جعل عليها سورا أثره باق، و هى المدينة التي تسمى الرومية فى جانب دجلة الشرقى، و أقام بالإسكندرية راغبا عن بقاع الأرض كلها و عن بلاده و وطنه.
و ذكر بعض أهل العلم أنها لم تزل مستقرة منذ نزلها حتى مات بها، و حمل منها فدفن بالإسكندرية لمكان والدته، فإنها كانت إذ ذاك باقية هناك.
و قد كان ملوك الفرس لهم حسن التدبير و السياسة و النظر فى الممالك و اختيار المنازل، فكلهم اختار المدائن و ما جاورها لصحة تربتها و طيب هوائها و اجتماع مصب دجلة و الفرات بها.
و يذكر عن الحكماء أنهم كانوا يقولون: إذا أقام الغريب على دجلة من بلاد الموصل تبين فى بدنه قوة، و إذا أقام بين دجلة و الفرات بأرض بابل تبين فى عقله زيادة و فى فطنته ذكاء وحدة، و ذلك الذي أورث أهل بغداد الاختصاص بحسن الأخلاق و التفرد بجميل الأوصاف، و قل ما اجتمع اثنان متشاكلان، و كان أحدهما بغداديا إلا كان هو المقدم فى لطف الفطنة، و حسن الحيلة، و حلاوة القول، و سهولة البذل، و وجد ألينهما جانبا، و أجملهما معاشرة.
و كان حكم المدائن إذ كانت عامرة آهلة هذا الحكم، و لم تزل دار مملكة الأكاسرة، و محل كبار الأساورة، و لهم بها آثار عظيمة، و أبنية قديمة، منها الإيوان الذي لم ير فى معناه أحسن منه صنعة، و لا أعجب عملا، و قد أحسن فى وصفه أبو عبادة الوليد بن عبيد البحترى فى قصيدة له على روى السين يقال إنه ليس للعرب سينية مثلها، و وصف أيضا معه القصر الأبيض، و ما كان مصورا فيه من الصور العجيبة و التماثيل البديعة و الصنائع الغريبة فأبدع فى وصف ذلك و أحسن ما شاء، فقال:
حضرت رحلى الهموم فوجه* * * ت إلى أبيض المدائن عنس
أتسلى عن الحظوظ و آسى* * * لمحل من آل ساسان درس
أذكرتنيهم الخطوب التوالى* * * و لقد تذكر الخطوب و تنس