الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧١ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
فدعا أبو عبيدة خالدا فأخبره بالذى جاء فيه الرومى، و قال لخالد: القهم فادعهم إلى الإسلام، فإن قبلوا فهو حظهم، و كانوا قوما لهم ما لنا و عليهم ما علينا، و إن أبوا فاعرض عليهم الجزية، أن يؤدوها عن يد و هم صاغرون، فإن أبوا فأعلمهم أنا نناجزهم و نستعين الله عليهم، حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين.
قال: و جاء رسولهم هذا الرومى، عند غروب الشمس فلم يمكث إلا يسيرا حتى حضرت الصلاة فقام المسلمون يصلون صلاتهم، فلما قضوها قال ذلك الرومى: هذا الليل قد غشينا، و لكن إذا أصبحت غدوت إلى صاحبنا إن شاء الله، و جعل ينظر إلى رجال من المسلمين يصلون و هم يدعون الله و يتضرعون إليه، و جعل ما يفيق و ما يصرف بصره عنهم، فقال عمرو: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون، فقال أبو عبيدة: كلا و الله، إنى لأرجو أن يكون الله قد قذف فى قلبه الإيمان و حببه إليه، و عرفه فضله، أو ما تنظر إلى نظره إلى المصلين؟ و لبث الرومى بذلك قليلا ثم أقبل على أبى عبيدة، فقال: أيها الرجل، أخبرنى متى دخلتم فى هذا الدين؟ و متى دعوتم الناس إليه؟.
فقال أبو عبيدة: دعينا إليه منذ بضع و عشرين سنة، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول، و منا من أسلم بعد ذلك، فقال: هل كان رسولكم أخبركم أنه يأتى من بعده رسول؟
قال: لا، و لكنه أخبرنا أنه لا نبىّ بعده، و أخبرنا أن عيسى ابن مريم قد بشر به قومه، قال الرومى: و أنا على ذلك من الشاهدين، إن عيسى ابن مريم قد بشرنا براكب الجمل، و ما أظنه إلا صاحبكم. ثم قال: أخبرنى عن قول صاحبكم فى عيسى، فقال له أبو عبيدة: قول صاحبنا فيه قول الله تعالى فيه، و هو أصدق القائلين و أبرهم، قال الله تعالى:
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران: ٥٩]، و قال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ إلى قوله: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [النساء:
١٧١، ١٧٢].
فلما فسر له الترجمان ذلك و بلغ هذا المكان قال: أشهد أن هذه صفة عيسى، و أشهد أن نبيكم صادق، و أنه الذي بشر به عيسى، و أنكم قوم صدق، و قال لأبى عبيدة: ادع لى رجلين من أول أصحابك إسلاما، و هما فيما ترى أفضل من معك، فدعا أبو عبيدة، معاذ بن جبل و سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فقال له: هذان من أفضل المسلمين فضلا، و من أولهم إسلاما، فقال لهما الرومى و لأبى عبيدة: أ تضمنون لى الجنة إن أنا