الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٩ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
فمضى المسلمون كما وصف لهم على راياتهم و صفوفهم يقدمون عليهم، و جعلت صفوف الروم تنتقض و تدبر، و خيل المسلمين تكردهم و تقتلهم، و تحمل عليهم، و لا تقلع عنهم، فقتلوا منهم فى المعركة نحوا من خمسة آلاف، و قتلوا فى عسكرهم حيث دخلوا نحوا من ألفين، و خرجوا عباديد منهزمين، و خيل المسلمين تتبعهم و تقتلهم حتى اقتحموا فى فحل، و فحل مطلة على أهوية تحتها الماء، فتحصنوا فيها، و أصاب المسلمون منهم نحوا من ألفى أسير، فقتلهم المسلمون، و أقبل أبو عبيدة حتى دخل عسكرهم و حوى ما فيه.
و قال عبد الله بن قرط الثماليّ: مررت يومئذ بعمرو بن سعيد بن العاص قبل هزيمة المشركين، و معه رجال من المسلمين، سبعة أو ثمانية، و إنه لأمامهم نحو العدو، و إنه ليقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال: ١٥، ١٦]، ثم يقول: لكن الجنة و الله نعم المصير، و لمن؟ هى هى و الله لمن شرى نفسه اليوم لله، و قاتل فى سبيل الله، ثم يقول: إلىّ يا أهل الإسلام، أنا عمرو بن سعيد بن العاص، لا تفروا، فإن الله يراكم، و من يره الله يفر عن نصر دينه يمقته، فاستحيوا من الله ربكم أن يراكم تطيعون أبغض خلقه إليه، و هو الشيطان الرجيم، و تعصونه و هو الرحمن الرحيم [١].
قال عبد الله بن قرط: و قد كان العدو حمل علينا حملة منكرة، فرقت بينى و بين أصحابى، فانتهيت إلى عمرو و هو يقول هذا القول، فقلت فى نفسى: و الله ما أنا بواجد اليوم فى هذا العسكر رجلا أقدم صحبة و لا أقرب قرابة من رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من هذا الرجل، فدنوت منه و معى الرمح، و قد أحاطت به من الروم جماعة، فحملت عليهم، فأصرع أحدهم، ثم أقبلت إليه، فوقفت معه، ثم قلت: يا ابن أبى أحيحة، أ تعرفني؟ فقال لى: نعم يا أخا ثقيف، فقلت له: لم تبعد، هم الإخوان و الجيران و الحلفاء، و لكنى أخو ثمالة، عبد الله بن قرط. فقال لى: مرحبا بك أخى فى الإسلام، و هو أقرب النسب، أما و الله لئن استشهدت و كفى بالله شهيدا لأشهدن لك، و لئن شفعت لأشفعن لك. قال:
فنظرت إلى وجهه، فإذا هو مضروب على حاجبه بالسيف، و إذا الدم قد ملأ عينيه، و إذا هو لا يستطيع أن يطرف و لا يفتح عينيه من الدم، فقلت له: أبشر بخير، فإن الله معافيك من هذه الضربة، و منزل النصر على الإسلام. قال: أما النصر لأهل الإسلام، فأنزل الله
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٧- ١٣٨).