الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٠٤ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
ثم قال: سيروا على اسم الله، فإنى معسكر و سائر. ثم خرج و معه أشراف الناس و بيوتات العرب و المهاجرون و الأنصار، و أخرج معه العباس بن عبد المطلب.
و عن أبى سعيد المقبرى [١] أن عمر (رحمه الله)، كان فى مسيره ذلك يجلس لأصحابه إذا صلى الغداة، فيقبل عليهم بوجهه، ثم يقول: الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام و الإيمان، و أكرمنا بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) فهدانا به من الضلالة، و جمعنا من الفرقة، و ألف بين قلوبنا، و نصرنا به على الأعداء، و مكن لنا فى البلاد، و جعلنا به إخوانا متحابين، فاحمدوا الله على هذه النعم و سلوه المزيد فيها، و الشكر عليها، و تمام ما أصبحتم تتقلبون فيه منها، فإن الله عز و جل، يريد الرغبة إليه، و يتم نعمته على الشاكرين.
قال: فكان عمر رضى الله عنه، لا يدع هذا القول كل غداة، فى مبتدئه و مرجعه.
و عن أبى سعيد الخدرى أن عمر (رحمه الله)، مضى فى وجهه ذلك حتى انتهى إلى الجابية، فقام فى الناس فقال:
الحمد لله الحميد، المستحمد الدفاع المجيد، الغفور الودود، الذي من أراد أن يهديه من عباده اهتدى، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً [الكهف: ١٧].
قال: و إذا رجل من القسيسين من النصارى عندهم، و عليه جبة صوف، فلما قال عمر رضى الله عنه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ قال النصرانى: و أنا أشهد، فقال عمر:
وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً، فنفض النصرانى جبته عن صدره، ثم قال:
معاذ الله، لا يضل الله أحدا يريد الهدى، فقال عمر: ما ذا يقول عدوه الله، هذا النصرانى؟ فأخبروه، فرفع عمر صوته، و عاد فى خطبته بمثل مقالته الأولى، ففعل النصرانى كفعله الأول، فغضب عمر رضى الله عنه، و قال: و الله لئن أعادها لأضربن عنقه، ففهمها العلج فسكت، إذ عاد عمر فى خطبته و قال: من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلا هادى له، ثم قال: أما بعد، فإنى سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: إن خيار أمتى الذين يلونكم، ثم الذين تلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل على الشهادة و لم يستشهد عليها، و حتى يحلف على اليمين و لم يسألها، فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، و لا يبالى بشذوذ من شذ، و ذكر بقية الحديث [٢].
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٥٠- ٢٥١).
[٢] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٥١) و ما بعدها.