الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢١١ - ذكر الخبر عن وفاة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، و ما كان من عهده إلى عمر بن الخطاب، جزاهما الله عن دينه الحق أفضل الجزاء
يزغ قلبك، و لم تضعف بصيرتك، و لم تجبن نفسك، و لم تخن، كنت كالجبل الذي لا تحركه العواصف، و لا تزيله القواصف، كنت كما قال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم): أمن الناس عليه فى صحبتك و ذات يدك، و كما قال: ضعيفا فى بدنك قويا فى أمر الله تعالى متواضعا فى نفسك، عظيما عند الله، جليلا فى الأرض، كبيرا عند المؤمنين، لم يكن لأحد فيك مهمز، و لا لقائل فيك مغمز، و لا لأحد فيك مطمع، و لا عندك هوادة لأحد، الضعيف الذليل عندك قوى عزيز حتى تأخذ له بحقه، و القوى العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحق، القريب و البعيد عندك فى ذلك سواء، شأنك الحق و الصدق و الرفق، و قولك حكم و حتم، و رأيك علم و عرف، فأقلعت و قد نهج السبيل، و سهل العسير، و أطفئت النيران، و اعتدل بك الدين، و قوى الإيمان، و ظهر أمر الله و لو كره الكافرون، فسبقت و الله سبقا بعيدا، و أتعبت من بعدك إتعابا شديدا، و فزت بالحق فوزا مبينا، فجللت عن البكاء، و عظمت رزيتك فى السماء، و هدت مصيبتك الأنام، فإنا لله و إنا إليه راجعون، رضينا عن الله قضاءه، و سلمنا لله أمره، و لن يصاب المسلمون بعد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) بمثلك أبدا، كنت للدين عزا و كهفا، و للمؤمنين حصنا و فئة و أنسا، و على المنافقين غلظة و غيظا و كظما، فألحقك الله بميتة نبيك (صلى اللّه عليه و سلم) و لا حرمنا أجرك، و لا أضلنا بعدك، فإنا لله، و إنا إليه راجعون [١].
و أنصت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكى و بكوا، و قالوا: صدقت يا ابن عم رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).
[١] انظر الخطبة فى: العقد الفريد (٥/ ١٩- ٢٠).