الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٨٢ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
و كتب يزيد بن أبى سفيان إلى أبى بكر (رحمه الله): أما بعد، فإن هرقل ملك الروم لما بلغه مسيرنا إليه ألقى الله الرعب فى قلبه، فتحمل و نزل أنطاكية، و خلف أمراء من جنده على جند الشام، و أمرهم بقتالنا، و قد تيسروا لنا و استعدوا، و قد نبأنا مسالمة الشام أن هرقل استنفر أهل مملكته، و أنهم جاءوا يجرون الشوك و الشجر، فمرنا بأمرك، و عجل علينا فى ذلك برأيك، نتبعه، نسأل الله النصر و الصبر و الفتح و عافية المسلمين، و السلام عليك.
و بعث بهذا الكتاب مع عبد الله بن قرط الثماليّ، فقال له أبو بكر لما قدم عليه:
أخبرنى خبر الناس، قال: المسلمون بخير، قد دخلوا أدنى أرض الشام، و رعب أهلها منهم، و ذكر لنا أن الروم قد جمعت لنا جموعا عظاما، و لم نلق عدونا بعد، و نحن فى كل يوم نتوكف لقاء العدو أو نتوقعه، و إن لم تأتنا جيوش من قبل هرقل، فليست الشام بشيء. فقال له أبو بكر (رحمه الله): صدقتنى الخبر، فقال: و ما لى لا أصدقك، و يحل لى الكذب، و يصلح لمثلى أن يكذب مثلك، و لو كذبت فى هذا لم أخن إلا أمانتى و أخن ربى و أخن المسلمين. قال أبو بكر: معاذ الله، لست من أولئك، و كتب حينئذ معه بهذا الكتاب: أما بعد، فقد بلغنى كتابك، تذكر فيه تحول ملك الروم إلى أنطاكية [١]، و إلقاء الله الرعب فى قلبه من جموع المسلمين، فإن الله تبارك و تعالى، و له الحمد قد نصرنا و نحن مع رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، بالرعب، و أيدنا بملائكته الكرام، و إن ذلك الدين الذي نصرنا الله فيه بالرعب هو هذا الدين الذي ندعو الناس إليه اليوم، فو ربك لا يجعل الله المسلمين كالمجرمين، و لا من يشهد أنه لا إله غيره كمن يعبد معه آلهة أخرى و يدين بعبادة آلهة شتى، فإذا لقيتهم فانبذ إليهم بمن معك و قاتلهم، فإن الله لن يخذلك، و قد نبأنا الله أن الفئة القليلة منا تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، و أنا مع ما هنالك ممدكم بالرجال فى أثر الرجال حتى تكتفوا و لا تحتاجوا إلى زيادة إنسان إن شاء الله، و السلام.
و لما رد أبو بكر رضى الله عنه، عبد الله بن قرط [٢] بهذا الكتاب إلى يزيد، قال له:
[١] أنطاكية: بتخفيف الياء، مدينة عظيمة على ساحل البحر، قالوا: و كل شيء عند العرب من قبل الشام فهو أنطاكية، و يقال: ليس فى أرض الإسلام و لا أرض الروم مثلها. انظر: الروض المعطار (٣٨- ٣٩)، نزهة المشتاق (١٩٥)، صبح الأعشى (٤/ ١٢٩).
[٢] انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (١٦٥٢)، الإصابة الترجمة رقم (٤٩٠٨)، أسد الغابة الترجمة رقم (٣١٢٦)، الجرح و التعديل (٥/ ١٠٤)، تجريد أسماء الصحابة (١/ ٣٢٩)، تهذيب الكمال (٢/ ٧٢٤)، التاريخ الكبير (٥/ ٣٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ٣٦١).