الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٢٠ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
فمن ذلك أن يزدجرد لما غلب سعد على مدينة نهرسير و اعتقد أهل غربى دجلة منه الذمة نقل خزائنه و أمواله و دواوينه إلى حلوان، و أقام فى الإيوان فى مقاتلته، و سعد و المسلمون فى دير المنازل، فبينما هم به و دجلة قد طماها ماؤها يتدفق جانباها، إذ سمعوا ليلا قائلا يقول: يا معشر المسلمين، هذه المدائن غلقت أبوابها، و غيبت السفن، و قطعت الجسور، فما تنتظرون، فربكم الذي يحملكم فى البر يحملكم فى البحر؟ فندب سعد الناس إلى العبور، ثم ساق الحديث فى ركوبهم دجلة على ظهور خيلهم نحوا مما تقدم، ثم قال: و نظر ضرار بن الخطاب و المسلمون فرأوا بناء أبيض، فقال ضرار: الله أكبر، أبيض المدائن و رب الكعبة، و هرب أهل المسالح حين عبر المسلمون، و اعروها و قالوا: هؤلاء من السماء، و خرج أهل الرومية و من كان فيها من الأساورة معهم الفيلة فقاتلهم المسلمون، فكانت الفيلة تهم فى وجوه الخيل، و المسلمون قليل ليست لهم رجالة تقاتل عن خيلهم، فكانت الخيل تنفر، فأتى رجل سعدا فقال: تؤمننى على نفسى و أهلى و مالى و أدلك على ما ترد به الفيلة؟ قال: نعم. قال: الخنازير. قال: و أنى لى بها؟ قال: أنا أجيئك بها، فجاءه بخنازير فضربت فجعلت تقيع فى وجوه الفيلة، فولت و انهزم المشركون. فوقف رجل يحميهم و اعترض الطريق فلما دنا منه المسلمون ضرب فرسه ليقدم عليهم، فاعتاص و ضربه ليهرب، فاعتاص فطعنه رجل من المسلمين فقتله، و دخل الآخرون الرومية، و مضى الأساورة إلى يزدجرد بالإيوان، فهرب هو و أساورته و مقاتلته، و سمعوا صوتا من ورائهم علام تقتلون أنفسكم و قد ذهبت مدة ملككم.
و مضى سعد إلى المدينة العتيقة، فمر المسلمون بمجلس لكسرى كان يسمى بهشت إيوان، فوقفوا ينظرون إليه و قد تقدم سعد فانطوى عليه، فظن أنهم اقتطعوا، فسأل عنهم، فأخبر، فقال لبعض من معه من العجم: ما هذا المجلس؟ قالوا: بهشت إيوان.
قال: و ما تفسيره؟ قالوا: الجنة. فأرسل سعد قوما فأحرقوه، و خرج أهل المدائن إلى سعد فتلقوه بجامات الذهب و الفضة مملوءة دنانير و دراهم يسألونه الأمان على أن يعطوا الجزية، فقبل ذلك منهم، و نزل القصر الأبيض، و أمر أهل المدائن فعقدوا الجسر، فعبر المسلمون جميعا و أثقالهم و إبلهم، و تحول سعد فعسكر فى مكانين على الناقوس و على نهر أبغش، بين العسكرين ميل، و كان أكثر العسكرين أهلا الذين على نهر أبغش، و اتخذ سعد مسجدا على الناقوس فهو إلى اليوم يسمى مسجد العسكر، و صلى فيه على بن أبى طالب حين قدم المدائن و هو يريد صفين.
و لم يأخذ سعد من المدينة و من أهلها إلا ما كان للملك و أهل بيته و لمن هرب،