الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٣ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
دنونا من باهان و على رأسه ألوف رجال بعضهم خلف بعض و حوله، لا يرى منهم إلا أعينهم، و فى أيديهم العمد، جاءنا الترجمان فقال: أيكما خالد؟ فقال خالد: أنا، فقال:
أقبل أنت و ليرجع هذا، فقام خالد و قال: هذا رجل من أصحابى و لست استغنى عن رأيه، فرجع إلى باهان فأخبره، فقال: دعوه فليأت معه، فأقبلنا نحوه، فلم يمش إلا خطا خمسا أو ستا حتى جاء نحو من عشرة، فقالوا لى: ضع سيفك، و لم يقولوا لخالد شيئا، فنظرت ما يقول لى خالد، فقال لهم: ما كان ليضع عزه من عنقه أبدا، و قد بعثتم إلينا فأتيناكم، فإن تكرمونا جلسنا إليكم و سمعنا منكم، و إن أبيتم فخلوا سبيلنا فننصرف عنكم، فرجع الترجمان إلى باهان فأخبره، فقال: دعوهما، فأقبلنا إليه، فرحب بخالد و أجلسه معه، و جلست أنا على نمارق مطروحة للناس قريبا منهما، و حيث أسمع كلامهما، فقال باهان لخالد: إنك من ذوى أحساب العرب، فيما ذكر لى، و من شجعانهم، و قد ذكر لى أن لك عقلا و وفاء، و العاقل ينفعك كلامه، و الوفى يصدق قوله يوثق بعهده.
فلما فسر له الترجمان ذلك قال خالد: إن نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) قال لنا: إن حسب المرء دينه، و من لم يكن له دين فلا حسب له، و قال لنا: إن أفضل الشجاعة و خيرها فى العاجلة و العاقبة ما كان منها فى طاعة الله، و أما ما ذكرت أنى أوتيت عقلا و وفاء، فإن أكن أوتيت ذلك فلله المن و الفضل علينا، و هو المحمود عندنا، و قد قال لنا نبينا (صلى اللّه عليه و سلم): إن الله لما خلق العقل و فرغ من خلقه، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، ثم قال له: و عزتى ما خلقت من خلقى شيئا هو أحب إلىّ منك، بك أحمد، و بك أعبد، و بك أعرف، و بك تنال طاعتى، و بك تدخل جنتى، ثم قال خالد: و الوفاء لا يكون إلا من العقل، فمن لم يكن له عقل فلا وفاء له، و من لا وفاء له لا عقل له. فقال له باهان: أنت أعقل أهل الأرض، ما يتكلم بكلامك و لا يبصره و لا يفطن له إلا الفائق من الرجال، ثم قال لخالد:
أخبرنى عنك، و أنت هكذا تحتاج إلى مشورة هذا الرجل؟ فقال له خالد: و أعجب من ذلك أن فى عسكرنا أكثر من ألف رجل كلهم لا يستغنى عن رأيه و لا عن مشورته، فقال باهان: ما كنا نظن ذلك عندكم، و لا نراكم به، فقال له خالد: ما كل ما تظنون و نظن يكون صوابا، فقال باهان: صدقت، ثم قال له: إن أول ما أكلمك به أنى أدعوك إلى خلتى و مصافاتى، فقال له خالد: كيف لى و لك أن يتم هذا فيما بينى و بينك و قد جمعتنى و إياك بلدة لا أريد أنا و لا تريد أنت أن نفترق حتى تصير البلدة لأحدنا، فقال له باهان: فلعل الله أن يصلح بيننا و بينك فلا يهراق دم و لا يقتل قتيل، قال خالد: إن شاء