الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣١١ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
عظيما، و كتب عمرو بالخبر إلى عمر، فلما جاءه كتابه قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عم تنفرج.
و أقام عمرو على أجنادين، لا يقدر من الأرطبون على سقطة و لا تشفيه الرسل، فولى ذلك بنفسه، و توجه فدخل عليه، كأنه رسول، فأبلغه ما يريد، و سمع كلامه حتى عرف ما أراد، و تأمل حصونه، فقال أرطبون فى نفسه: و الله إن هذا لعمرو، أو إنه للذى يأخذ عمرو برأيه، و ما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله، ثم دعا حرسيا فساره، فقال: اخرج فقم بمكان كذا فإذا مر بك فاقتله، و فطن له عمرو، فقال له: قد سمعت منى و سمعت منك، و قد وقع ما قلت منى موقعا، و أنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالى لنكانفه و يشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن، فإن رأوا مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر و رآه الأمير، و إن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، و كنت على رأس أمرك. قال: نعم، و دعا فلانا فساره، و قال: اذهب إلى فلان، يعنى ذلك الحرسى، فرده إلىّ، فرجع إليه الرجل، و قال لعمرو: انطلق فجئ بأصحابك، فخرج عمرو و رأى أن لا يعود لمثلها، و علم الرومى أنه خدعه فقال: هذا أدهى الخلق، و بلغت عمر فقال: غلبه عمرو [١].
ثم ناهده عمرو و قد عرف مأخذه، فالتقوا بأجنادين، فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، ثم انهزم أرطبون فى الناس، فأوى إلى إيلياء، و نزل عمرو أجنادين و انطلق علقمة بن مجزز فحصر القيقار بغزة، و جعل يراسله فلم يشفه أحد مما يريد، فأتاه كأنه رسول علقمة، فأمر القيقار رجلا أن يقعد له بالطريق، فإذا مر قتله، ففطن علقمة، فقال: إن معى نفرا شركائى فى الرأى، فأنطلق فآتيك بهم، فبعث إلى ذلك الرجل أن لا يعرض لعلقمة، فخرج من عنده و لم يعد، كما فعل عمرو بالأرطبون.
و لما أتى أرطبون إيلياء، أفرج له المسلمون حتى دخلها، ثم أزالهم إلى أجنادين، و كتب إلى عمرو: بأنك صديقى و نظيرى، أنت فى قومك مثلى فى قومى، و الله لا تفتتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين، فارجع فلا تغر فتلقى ما لقى الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية، فأرسله إلى أرطبون، و أمره أن يتنكر و يقرب و يستمع ما يقول، حتى يخبره به إذا رجع، و كتب إلى أرطبون:
جاءنى كتابك، و أنت نظيرى، و مثلى فى قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت
[١] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٦٠٤- ٦٠٦).