الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٥٩ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
بيننا و بين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل لك بذلك على جميع من ترى. قال:
أ سيدهم أنت؟ قال: لا، و لكن المسلمين فيما بينهم كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم. فخلص رستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل سمعتم كلاما قط أوضح نصرا و لا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله أن تميل إلى شيء من هذا و تدع دينك لهذا الكلب، أ ما ترى إلى ثيابه فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب، و لكن انظروا إلى الرأى و الكلام و السيرة، إن العرب تستخف باللباس و المأكل و يصونون الأحساب، ليسوا مثلكم فى اللباس، و لا يرون فيه ما ترون. و أقبلوا إليه يتناولون سلاحه و يزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم أن ترونى فأريكم؟ فأخرج سيفه من خرقة كأنه شعلة نار. ثم رمى ترسا و رموا حجفته، فخرق ترسهم و سلمت حجفته. فقال: يا أهل فارس، إنكم عظمتم الطعام و الشراب، و أنا صغرناهما، ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل.
فلما كان الغد بعثوا: أن ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فأقبل فى نحو ذلك الزى، حتى إذا كان على أدنى البساط، قيل له: أنزل، قال: ذلك لو جئتكم فى حاجتى، فقولوا لملككم: أله حاجة أم لى؟ فإن قال لى فقد كذب، و رجعت عنه، و تركتكم، و إن قال له، لم آته إلا على ما أحب. فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه و رستم على سريره، فقال له: انزل، قال: لا أفعل، فلما أبى سأله: ما بالك جئت و لم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا فى الشدة و الرخاء، فهذه نوبتى. قال: ما جاء بكم؟ قال: الله عز و جل منّ علينا بدينه، و أرانا آياته حتى عرفناه و كنا له منكرين. ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث، فأيها أجابوا إليه قبلناه:
الإسلام و ننصرف عنكم، أو الجزاء و نمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة. فقال: أو الموادعة إلى يوم. فقال: نعم، ثلاثا من أمس.
فلما لم يجد عنده إلا ذلك رده، و أقبل على أصحابه فقال: وليكم أ لا ترون ما أرى؟
جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، و حقر ما نعظم، و أقام فرسه على زبرجنا و ربطه به، فهو فى يمن الطائر، ذهب بأرضنا و ما فيها إليهم، مع فضل عقله. و جاءنا هذا اليوم فوقف علينا، فهو فى يمن الطائر سيقوم على أرضنا دوننا، فراده أصحابه الكلام حتى أغضبوه و أغضبهم.
فلما كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلا، فبعثوا إليه المغيرة بن شعبة. قالوا: فلما جاء إلى القنطرة يعبرها إلى أهل فارس حبسوه و استأذنوا رستما فى إجازته، فأذن فى ذلك، فأقبل المغيرة و القوم فى زيهم فى الأمس، لم يغيروا شيئا من شارتهم، تقوية