الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥١٤ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
حتى طلعت عليه أوائل الناس، و قد ضربت الرياح و الأمواج القدح حتى وقع إلى شاطئ، فتناوله برمحه، فجاء به إلى العسكر فعرّفه، فعرفه صاحبه فأخذه، و قال لصاحبه الذي كان يعاومه: أ لم أقل لك؟ فيروى أن عمر، (رحمه الله)، بلغه ما كان قال له صاحبه أولا، فأنكره و أرسل إليه: أنت القائل أصابه القدر فطاح؟ تفجع مسلما!.
و قال الأسود بن قطبة أبو مفزر يرتجز يومئذ:
يا دجل إن الله قد أشجاك* * * هذى جنود الله فى قراك
فلتشكرى الذي بنا حباك* * * و لا تروعى مسلما أتاك
و قال عاصم بن عمرو فى ذلك:
ألا هل أتاها أن دجلة ذللت* * * على ساعة فيها القلوب تقلب
ترانا عليها حين عبّ عبابها* * * تبارى إذا جاشت بموج تصوب
نفينا بها كسرى عن الدار فانتوى* * * لأبعد ما ينوى الركيك الموقب
قال: و فجأ المسلمون أهل فارس من هذا العبور بأمر لم يكن فى حسبانهم، فأجهضوكم و أعجلوهم عن حمل أموالهم، و خرجوا هرابا، و قد كان يزدجرد خرج قبلهم إلى حلوان فنزلها بعد أن قدم إليها عياله حين أخذت بهرسير و خرجوا معهم بما قدروا عليه من حر متاعهم و خفيفه، و بالنساء و الذرارى و ما قدروا عليه من بيت المال، و تركوا فى الخوائن من الثياب و المتاع و الآنية و الألطاف و الأدهان ما لا يدرى ما قيمته، و خلفوا ما كانوا أعدوا للحصار من البقر و الغنم و كل الأطعمة و الأشربة، فدخل المسلمون المدائن و استولوا على ذلك كله فكان أول من دخلها كتيبة الأهوال، ثم تبعتها الخرساء، كتيبة سعد، فأخذوا فى سككها لا يلقون أحدا و لا يحسونه إلا ما كان فى القصر الأبيض، فأحاطوا بهم و دعوهم فاستجابوا لسعد على الجزاء و الذمة، و يرجع إليها أهل المدائن على مثل عهدهم، ليس فى ذلك ما كان لآل كسرى و من خرج معهم.
و نزل سعد القصر الأبيض و سرح زهرة فى آثار القوم إلى النهروان فانتهى إليها، و سرح مقدار ذلك فى طلبهم من كل وجه.
و قال حبيب بن صبهان [١]: لما عبر المسلمون دجلة، جعل أهل فارس و هم ينظرون إليهم يعبرون يقول بعضهم لبعض بالفارسية ما تفسيره بالعربية: إنكم و الله ما تقاتلون الإنس و إنما تقاتلون الجن.
[١] انظر: الطبرى (٤/ ١٤).