الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٨٠ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: ٤، ١٤] قلت فى نفسى: ظهرنا و الله على القوم للذى أجرى الله على لسانه، و سررت بذلك سرورا شديدا، و قلت: عدونا هذا و الله نظير لهذه الأمم، فى الكفر و الكثرة و المعاصى، قال: ثم قرأ فى الركعة الثانية: وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها، فلما مر بقول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها إلى آخر السورة، قلت فى نفسى:
هذه و الله أخرى، إن صدق الفأل ليصبن الله عليهم سوط عذاب، و ليدمدمن الله عليهم كما دمدم على هذه القرون من قبلهم، فلما قضى أبو عبيدة صلاته، أقبل على الناس بوجهه، و قال:
أيها الناس أبشروا، فإنى رأيت فى ليلتى هذه فيما يرى النائم كأن رجالا أتونى فحفوا بى و عليهم ثياب بيض، ثم دعوا إلىّ رجالا منكم أعرفهم، ثم قالوا لنا: أقدموا على عدوكم و لا تهابوهم، فإنكم الأعلون، و كأنا مضينا إلى عسكر عدونا، فلما رأونا قاصدين إليهم انفرجوا لنا، و جئنا حتى دخلنا عسكرهم، و ولوا مدبرين.
فقال له الناس: أصلحك الله، نامت عينك، هذه بشرى من الله، بشرك الله بخير.
و قال أبو مرثد الخولانى: و أنا أصلحك الله قد رأيت رؤيا، إنها لبشرى من الله، رأيت فى هذه الليلة كأنا خرجنا إلى عدونا، فلما تواقعنا صب الله عليهم من السماء طيرا بيضا عظاما لها مخالب كمخالب الأسد، و هى تنقض من السماء انقضاض العقبان، فإذا حاذت بالرجل من المشركين ضربته ضربة يخر منها متقطعا.
و كان الناس يقولون: أبشروا معاشر المسلمين، فقد أيدكم الله عليهم بالملائكة. قال:
فتباشر الناس بهذه الرؤيا و سروا بها، فقال أبو عبيدة: و هذه و الله بشرى من الله، فحدثوا بهذه الرؤيا الناس، فإن مثلها من الرؤيا ما يشجع المسلم و يحسن ظنه و ينشطه للقاء عدوه.
قال: و انتشرت هذه الرؤيا و رؤيا أبى عبيدة فى المسلمين، و استبشروا بهما.
و عن أبى جهضم أيضا [١]: أن رجلا من الروم حدثه فى خلافة عبد الملك بن مروان أن رجلا من عظمائهم أتى باهان فى صبيحة الليلة التي خرج إلى المسلمين باليرموك، فقال له: إنى رأيت رؤيا أريد أن أحدثك بها، قال: هاتها، قال: رأيت كأن رجالا نزلوا من السماء طول أحدهم أبعد من مد بصره، فنزعوا سيوفنا من أغمادها و أسنة رماحنا من أطرافها، ثم لم يدعوا منا رجلا إلا كتفوه، ثم قالوا لنا: اهربوا و أكثركم هالك،
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢١٤- ٢١٦).