الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٤١ - ذكر فتح مصر
عندى. فأشار إلى رجل مخفف كوسج [١] فقال: هو يشبه هذا. قال عبد العزيز: نخبرك أنه يمان [٢].
و أقام عمرو يحاصر الإسكندرية أشهرا، فقال عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، لما بلغه ذلك: ما أبطئوا بفتحها إلا لما أحدثوا.
و قال أسلم مولى عمر: لما أبطأ على عمر فتح مصر كتب إلى عمرو بن العاص:
أما بعد، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر، أنكم تقاتلونها منذ سنين، و ما ذاك إلا لما أحدثتم و أحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم، و إن الله، تبارك و تعالى، لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم، و قد كنت وجهت إليك أربعة نفر، و أعلمتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ما كنت أعرف، إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم، فإذا أتاك كتابى هذا فاخطب الناس و حضهم على قتال عدوهم، و رغبهم فى الصبر و النية، و قدم أولئك النفر الأربعة فى صدور الناس، و مر الناس جميعا أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد، و ليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة، فإنها ساعة تنزل الرحمة و وقت الإجابة، و ليضج الناس إلى الله و يسألوه النصر على عدوهم.
فلما أتى عمرا الكتاب جمع الناس و قرأه عليهم، ثم دعا أولئك النفر فقدمهم أمام الناس، و أمر الناس أن يتطهروا و يصلوا ركعتين، ثم يرغبوا إلى الله و يسألوه النصر، ففعلوا، ففتح الله عليهم.
و يقال إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد فقال له: أشر علىّ فى قتال هؤلاء. فقال له مسلمة: أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة و تجارب من أصحاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) فتعقد له على الناس، فيكون هو الذي يباشر القتال و يكفيكه. قال عمرو: و من ذلك؟ قال: عبادة بن الصامت. فدعا عمرو عبادة، فأتاه و هو راكب على فرسه، فلما دنا منه أراد النزول، فقال له عمرو: عزمت عليك أن لا تنزل، ناولنى سنام رمحك، فناوله إياه، فنزع عمرو عمامته عن رأسه و عقد له و ولاه القتال، فتقدم عبادة مكانه فصاف الروم و قاتلهم، ففتح الله على يديه الإسكندرية فى يومه ذلك.
و يروى أن عمرو بن العاص قال و قد أبطأ عليه الفتح، فاستلقى على ظهره ثم جلس
[١] الكوسج: أى الناقص الأسنان، و البطيء من البراذين. انظر: القاموس المحيط للفيروزآباديّ (١/ ٢٠٤).
[٢] فى ابن عبد الحكم: «... قال عبد العزيز عند ذلك: إنه ليصف صفة رجل يمانى».