الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٠٠ - وصية أبى بكر الصديق رضى الله عنه، خالد بن الوليد حين بعثه فى هذا الوجه
حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ [فاطر: ٦]، و إنى قد بعثت خالد بن الوليد فى جيش من المهاجرين الأولين من قريش و الأنصار و غيرهم، و أمرته أن لا يقاتل أحدا و لا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن دخل فى دين الله و تاب إلى الله و رجع عن معصية الله إلى ما كان يقر به من دين الله و عمل صالحا قبل ذلك منه، و أعانه عليه، و من أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه بداعية الله و يعذر إليه بعاذرة الله، أن يقاتل من قاتله على ذلك أشد القتال بنفسه و من معه من أنصار دين الله و أعوانه، ثم لا يبقى على أحد بعد أن يعذر إليه، و أن يحرقهم بالنار، و يسبى الذرارى و النساء، و أمرته أن لا يقبل من أحد شيئا إلا الرجوع إلى دين الله، و شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله (صلى اللّه عليه و سلم)، و قد أمرته أن يقرأ على الناس كتابى إليهم فى كل مجمع و جماعة، فمن اتبعه فهو خير له، و من تركه فهو شر له.
و عن عروة بن الزبير، قال: جعل أبو بكر رضى الله عنه، يوصى خالد بن الوليد و يقول: يا خالد، عليك بتقوى الله، و الرفق بمن معك من رعيتك، فإن معك أصحاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، أهل السابقة من المهاجرين و الأنصار، فشاوروهم فيما نزل بك، ثم لا تخالفهم، و قدم أمامك الطلائع ترتاد لك المنازل، و سر فى أصحابك على تعبئة جيدة، فإذا لقيت أسدا و غطفان فبعضهم لك و بعضهم عليك، و بعضهم لا عليك و لا لك، متربص دائرة السوء، ينظر لمن تكون الدبرة، فيميل مع من تكون له الغلبة، و لكن الخوف عندى من أهل اليمامة، فاستعن بالله على قتالهم، فإنه بلغنى أنهم رجعوا بأسرهم، و إن كفاك الله الضاحية فامض إلى أهل اليمامة، فإنك تلقى عدوا كلهم عليك، لهم بلاد منكرة، فلا تؤتى إلا من مفازة، فارفق بجيشك فى تلك المفازة، فإن فى جيشك قوما أهل ضعف، أرجو أن تنصر بهم حتى تدخل بلادهم إن شاء الله تعالى.
فإذا دخلت بلادهم فالحذر الحذر إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي يقاتلونك به، السهم للسهم، و الرمح للرمح، و السيف للسيف، فإن أعطاك الله الظفر عليهم، فأقل البقيا عليهم إن شاء الله تعالى، و إياك أن تلقانى غدا بما يضيق صدرى به منك، اسمع عهدى و وصيتي، لا تغيرن على دار سمعت فيها أذانا حتى تعلم ما هم عليه، و إياك و قتل من صلى، و اعلم يا خالد أن الله يعلم من سريرتك ما يعلم من علانيتك، و اعلم أن رعيتك إنما تعمل بما تراك تعمل، كف عليك أطرافك، و تعاهد جيشك، و انههم عما لا يصلح لهم، فإنما تقاتلون من تقاتلون بأعمالكم، و بهذا نرجو لكم النصر على أعدائكم، سر على بركة الله تعالى.