الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٦٠٠ - غزوة سلمة بن قيس الأشجعى الأكراد
مرقة، فلما دفعت إليه قال: اجلس، فجلست فى أدانى الناس، فإذا طعام فيه خشونة و غلظ، طعامى الذي معى أطيب منه، فلما فرغ الناس قال: يا يرفاء، ارتفع قصاعك، ثم أدبر و اتبعته، فدخل داره ثم دخل حجرته، فاستأذنت و سلمت، فأذن لى، فإذا هو جالس على مسح متكئ على وسادتين من أدم محشوتين ليفا، فنبذ إلىّ إحداهما، فجلست عليها، فقال: يا أم كلثوم، غداءنا، فجاءوا إليه بقصعة فيها خبز و زيت فى عرضها ملح لم يدق، فقال لى: كل، فأكلت قليلا، و أكل حتى فرغ، ما رأيت رجلا أحسن أكلا منه، ما يتليس طعامه بيده و لا فمه، ثم قال: اسقونا، فجاءوا بغس، فقال: اشرب، فشربت قليلا، شرابى الذي معى أطيب منه، فأخذه فشربه حتى قرع القدح جبهته، و قال: إنك لضعيف الأكل و الشرب، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، و سقانا فأروانا.
قال: قلت: قد أكل أمير المؤمنين فشبع، و شرب فروى، حاجتى يا أمير المؤمنين، قال:
و ما حاجتك؟ قلت: أنا رسول سلمة بن قيس، فقال: مرحبا بسلمة و برسوله، و كأنما خرجت من صلبه، قال: حدثني عن المهاجرين، كيف هم؟ قلت: كما تحب من السلامة و الظفر على العدو، قال: كيف أسعارهم؟ قلت: أرخص أسعار، قال: كيف اللحم فيهم؟ فإنه شجرة العرب و لا تصلح العرب إلا بشجرتها، قلت: البقرة بكذا، و الشاة بكذا، ثم قلت: يا أمير المؤمنين، سرنا حتى لقينا عدونا من المشركين، فدعوناهم إلى ما أمرتنا به من الإسلام فأبوا، فدعوناهم إلى الخراج فأبوا، فقاتلناهم فنصرنا الله عليهم، فقتلنا المقاتلة و سبينا الذرية، و جمعنا الرثة، و خرج له عن الحديث كله حتى انتهى إلى السقط و أخرجه إليه.
قال: فلما نظر إلى تلك الفصوص من بين أحمر و أصفر و أخضر، وثب و جعل يديه فى خاصرتيه، و قال: لا أشبع الله إذا بطن عمر! و ظن النساء أنى قد اغتلته، فكشفن الستر، فقال: يا يرفاء، جأ عنقه، فوجأ عنقى و أنا أصيح، فقال: النجاء، و أظنك ستبطئ، أما و الذي لا إله غيره لئن تفرق الناس إلى مشاتيهم قبل أن يقسم هذا فيهم لأفعلن بك و بصاحبك فاقرة، قلت: يا أمير المؤمنين، ابدع بى فاحملنى، قال: يا برفاء، اعطه راحلتين من الصدقة، فإذا لقيت أفقر إليهما منك فادفعهما إليه، قلت: نعم، و ارتحلت حتى أتيت سلمة، فقلت: ما بارك الله لى فيما اختصصتنى به، اقسم هذا فى الناس قبل أن أفضح و الله و تفضح. قال: فقسمه فيهم قبل التفرق إلى مشاتيهم، و الفص يباع بخمسة دراهم و ستة دراهم، و هو خير من عشرين ألفا.