الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٩٠ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
ففرح بذلك من حوله و سروا و رفعوا أصواتهم، فقال لهم ملكهم: ويحكم، هذا كاذب، و هل ترون هيئة هذا إلا هيئة منهزم، سلوه ما جاء به، فلعمرى ما هو ببريد، و لو لم يكن هذا منهزما ما كان ينبغى له أن يكون إلا مع أميره مقيما، فما كان بأسرع من أن جاء آخر، فقال له: ويحك، ما وراءك؟ فقال: هزم الله العدو و أهلكهم، قال له هرقل: فإن كان الله أهلكهم فما جاء بك؟.
و فرح أصحابه و قالوا: صدقك أيها الملك، فقال لهم: ويحكم، أ تخادعون أنفسكم، إن هؤلاء و الله لو كانوا ظهروا أو ظفروا ما جاؤكم على متون خيولهم يركضون، و لسبقهم البريد و البشرى، قال: فإنهم لكذلك إذ طلع عليهم رجل من العرب من تنوخ على فرس له عربية، يقال له حذيفة بن عمرو، و كان نصرانيا، فقال قيصر: ما أظن خبر السؤال إلا عند هذا، فلما دنا منه قال له: ما عندك؟ قال: الشر، قال: وجهك الذي بشرنا بالشر، ثم نظر إلى أصحابه، فقال: خبر سوء جاء به رجل سوء من قوم سوء، فإنهم لكذلك إذ جاءه رجل من عظماء الروم، فقال له الملك: ما وراءك؟ قال: الشر، هزمنا. قال: فما فعل أميركم باهان؟ قال: قتل، قال: فما فعل فلان و فلان، يسمى له عددا من أمرائه و بطارقته و فرسانه، فقال: قتلوا، فقال له: لكنك و الله أنت أخبث و ألأم و أكفر من أن تذب عن دين أو تقاتل على دنيا.
ثم قال لشرطه: أنزلوه، فأنزلوه، فجاءوا به، فقال له: أ لست كنت أشد الناس علىّ فى أمر محمد نبى العرب حين جاءنى كتابه و رسوله، و كنت قد أردت أن أجيبه إلى ما دعانى إليه و أدخل فى دينه، فكنت أنت من أشد الناس علىّ حتى تركت ما أردت من ذلك؟ فهلا قاتلت الآن قوم محمد و أصحابه دون سلطانى، و على قدر ما كنت لقيت منك إذ منعتنى من الدخول فى دينه؟ اضربوا عنقه، فقدموه فضربوا عنقه، ثم نادى فى أصحابه بالرحيل راجعا إلى القسطنطينية، فلما خرج من الشام و أشرف على أرض الروم استقبل الشام، فقال: السلام عليك يا سورية، سلام مودع لا يرى أنه يرجع إليك أبدا، ثم قال: ويحك أرضا، ما أنفعك لعدوك، لكثرة ما فيك من العشب و الخصب و الخير.
و عن عمرو بن عبد الرحمن [١]: أن هرقل حين خرج من أنطاكية، أقبل حتى نزل الرها، ثم منها كان خروجه إلى القسطنطينية، و أقبل خالد فى طلب الروم حتى دخل أرض قنسرين، فلما انتهى إلى حلب تحصن منه أهلها، و جاء أبو عبيدة حتى نزل عليهم، فطلبوا الصلح و الأمان، فقبل منهم أبو عبيدة فصالحهم، و كتب لهم أمانا.
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٣٧).