الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٠٩ - ذكر فتح المدائن و ما نشأ بينه و بين القادسية من الأمور
حتى قدم عليه سعد، فغنم سعد نائلا ذلك السلب كله، و قال له: عزمت عليك يا نائل إلا لبست سواريه و قباءه و درعه و ركبت دابته، فانطلق فتدرع سلبه ثم أتاه فى سلاحه على دابته، فقال له سعد: اخلع سواريك إلا أن ترى حربا فالبسهما، و كان أول رجل من المسلمين سور بالعراق.
قالوا: فأقام سعد بكوثى أياما و أتى المكان الذي حبس فيه إبراهيم، (عليه السلام)، بكوثى، و البيت الذي كان فيه محبوسا فنظر إليه و صلى على رسول الله و على إبراهيم و على أنبياء الله، (صلوات الله على جميعهم)، و قرأ: وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران: ١٤٠]، ثم إن سعدا قدم زهرة إلى بهرسير فمضى من كوثى فى المقدمات و تبعته المجنبات، و خرج هاشم، و خرج سعد فى أثره، و قد فل زهرة كتيبة كسرى التي كانت تدعى بوران حول المظلم، مظلم ساباط، و كان رجالها يحلفون كل يوم بالله لا يزول ملك فارس ما عشنا.
و لما انتهى هاشم إلى مظلم ساباط وقف لسعد حتى لحق به، فلما نزل قاله: أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ [إبراهيم: ٤٤]، و وافق ذلك رجوع المقرط، أسد كان كسرى قد ألفه و تخيره من أسود المظلم، فبادر المقرط الناس حتى انتهى إليهم سعد، فنزل إليه هاشم فقتله، فقبل سعد رأسه، و قبل هاشم قدميه.
و قال المدائنى: فنظر هاشم إلى الناس و قد أحجموا و وقفوا فقال: ما لهم؟ فقيل له:
أسد قد منعهم، ففرج هاشم الناس و قصد له فثاوره الأسد و ضربه هاشم فقطع موصله كأنما اجتلم به غصنا، و وقعت الضربة فى خاصرته، و قال بعضهم: على هامته، فقتله.
قالوا: و قدم سعد هاشما إلى بهرسير ثم ارتحل سعد فنزل على البأس بها و جعل المسلمون المتقدمون إليها كلما قدمت عليهم خيل وقفوا ثم كبروا حتى نجز آخر من كان مع سعد، و لما نزل سعد على بهرسير بث الخيول، فأغار على ما بين دجلة إلى من له عهد من أهل الفرات، فأصابوا مائة ألف فلاح، فقال شيرزاذ، دهقان ساباط، و كان قد تلقى زهرة فى طريقه بالصلح و تأدية الجزية، فقال لسعد عند ما أتى بالفلاحين فخندق لهم: إنك لا تصنع بهؤلاء شيئا، إنما هؤلاء علوج لأهل فارس فدعهم إلىّ حتى يفرق لك الرأى فيهم، فكتب عليه بأسمائهم، و دفعهم إليه، فقال لهم شيرزاذ: انصرفوا إلى قراكم.
و كتب سعد إلى عمر (رحمهما الله): إنا وردنا بهرسير بعد الذي لقينا بين القادسية و بهرسير، فلم يأتنا أحد لقتال، فبثثت الخيول فجمعت الفلاحين من القرى و الآجام،