الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٨٠ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
شريف بئيس مجرب، و ذلك فى زمان الشرك و الجاهلية الجهلاء، فاجعل بأسك و شدتك و نجدتك اليوم فى الإسلام على من كفر بالله و عبد غيره، فقد جعل الله فيه الأجر العظيم، و العز للمسلمين. فقال: إن بقيت فسيبلغك من حيطتى على المسلم، و جهدى على الكافر ما يسرك و يرضيك، فقال أبو بكر (رحمه الله): فافعل ذلك، فلما بلغته مبارزته البطريقين بالجابية و قتله إياهما، قال: صدق قيس و وفى وبر.
و عن هاشم بن عتبة بن أبى وقاص قال [١]: لما مضت جنود أبى بكر إلى الشام بلغ ذلك هرقل ملك الروم، و هو بفلسطين، و قيل له: قد أتتك العرب و جمعت لك جموعا عظيمة، و هم يزعمون أن نبيهم الذي بعث إليهم أخبرهم أنهم يظهرون على أهل هذه البلاد، و قد جاءوك و هم لا يشكون أن هذا يكون، و جاءوك بأبنائهم و نسائهم تصديقا لمقالة نبيهم، يقولون: لو دخلناها و افتتحناها نزلناها بأولادنا و نسائنا. فقال هرقل: ذلك أشد لشوكتهم، إذا قاتل القوم على تصديق و يقين فما أشد على من كابدهم أن يزيلهم أو يصدهم.
قال: فجمع إليه أهل البلاد و أشراف الروم، و من كان على دينه من العرب، فقال: يا أهل هذا الدين، إن الله قد كان إليكم محسنا، و كان لدينكم هذا معزا، و له ناصرا على الأمم الخالية، و على كسرى و المجوس، و على الترك الذين لا يعلمون، و على من سواهم من الأمم كلها، و ذلك أنكم كنتم تعملون بكتاب ربكم و سنة نبيكم الذي كان أمره رشدا و فعله هدى، فلما بدلتم و غيرتم أطمع ذلك فيكم قوما، و الله ما كنا نعبأ بهم و لا نخاف أن نبتلى بهم، و قد ساروا إليكم حفاة عراة جياعا، اضطرهم إلى بلادكم قحط المطر و جدوبة الأرض و سوء الحال، فسيروا إليهم، فقاتلوهم عن دينكم و عن بلادكم و عن أبنائكم و نسائكم، و أنا شاخص عنكم و ممدكم بالخيول و الرجال، و قد أمرت عليكم أمراء، فاسمعوا لهم و أطيعوا، ثم خرج حتى أتى دمشق فقام مثل هذا المقام، و قال فيها مثل هذا المقال، ثم خرج حتى أتى حمص، ففعل مثل ذلك، ثم أتى أنطاكية، فأقام بها و بعث إلى الروم، فحشدهم إليه، فجاءه منهم ما لا يحصى عدده، و نفر إليه مقاتلتهم و شبابهم و أتباعهم، و أعظموا دخول العرب عليهم، و خافوا أن يسلبوا ملكهم.
و أقبل أبو عبيدة حتى مروا بوادى القرى [٢]، ثم أخذ على الحجر أرض صالح النبيّ
[١] راجع: ما ذكره ابن الجوزى فى المنتظم فى هذا الخبر (٤/ ١١٧)، و الطبرى فى تاريخه ٣/ ٣٩٢).
[٢] وادى القرى: من أعمال المدينة. انظر: الروض المعطار (٦٠٢)، المغانم المطابة (٤٢٣)، رحلة الناصرى (٣١٠)، صبح الأعشى (٤/ ٢٩٢).