الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٦٧ - غزوة ذات الصوارى
و لقد قتل يومئذ من المسلمين بشر كثير، و قتل من الكفار ما لا يحصى، و صبروا يومئذ صبرا لم يصبروا فى موطن قط مثله، ثم أنزل الله نصره على أهل الإسلام، و انهزم القسطنطين مدبرا، و أصابته يومئذ جراحات مكث فيها حينا جريحا.
و عن حنش الصنعانى [١] قال [٢]: ركب الناس البحر سنة إحدى و ثلاثين مع عبد الله ابن سعد، فلما بلغوا ذات الصوارى [٣] لقوا جموع الروم فى خمسمائة مركب أو ستمائة، فيها القسطنطين بن هرقل، فقال: أشيروا علىّ، قالوا: انتظر الليلة فباتوا يضربون بالنواقيس، و بات المسلمون يصلون و يدعون الله، ثم أصبحوا و قد أجمع القسطنطين فقربوا سفنهم، و قرب المسلمون فربطوا بعضها إلى بعض، و صف عبد الله المسلمين على نواحى السفن، و أمرهم بقراءة القرآن و بالصبر، و و ثبت الروم فى سفن المسلمين على صفوفهم حتى نقضوها، و اقتتلوا على غير صفوف قتالا شديدا، ثم إن الله نصر المؤمنين، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم ينج من الروم إلا الشريد، و أقام عبد الله بذات الصوارى أياما بعد هزيمة القوم، ثم أقبل راجعا.
و ذكر ابن عبد الحكم [٤] أن عبد الله بن سعد لما نزل ذات الصوارى أنزل نصف الناس مع بسر بن أبى أرطأة سرية فى البر، فلما مضوا أتى آت إلى عبد الله فقال: ما كنت فاعلا حين ينزل بك ابن هرقل فى ألف مركب فافعله الساعة.
قال: و إنما مراكب المسلمين مائتا مركب و نيف. فقام فقال: أشيروا علىّ، فما كلمه رجل من المسلمين، فجلس قليلا لترجع إليهم أفئدتهم، ثم استشارهم فما كلمه أحد ثم قال الثالثة: إنه لم يبق شيء فأشيروا علىّ، فقال رجل من أهل المدينة كان متطوعا: أيها الأمير، إن الله تعالى يقول: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩]، فقال عبد الله: اركبوا باسم الله، فركبوا، و إنما فى كل مركب نصف شحنته، قد خرج النصف الآخر مع بسر فى البر، فلقوهم فاقتتلوا بالنبل و النشاب، و تأخر ابن هرقل لئلا تصيبه الهزيمة، و جعل تختلف القوارب إليه بالأخبار.
فقال: ما فعلوا؟.
[١] هو: حنش بن عبد الله الصنعانى.
[٢] انظر: تاريخ الرسل و الملوك للطبرى (٤/ ٢٩٢).
[٣] الصوارى: جمع صار، و هو الخشبة المعترضة وسط السفينة. انظر: القاموس المحيط للفيروزآباديّ (٤/ ٣٥٢).
[٤] انظر: فتوح مصر و أخبارها لابن عبد الحكم (١٩٠، ١٩١).