الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٤٢ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله جل ثناؤه ذا المن و الفضل و النعم العظام فتح على المسلمين أرض الأردن، فرأت طائفة من المسلمين أن يقروا أهلها، على أن يؤدوا الجزية إليهم، و يكونوا عمار الأرض، و رأت طائفة أن يقتسموهم، فاكتب إلينا يا أمير المؤمنين برأيك فى ذلك، أدام الله لك التوفيق فى جميع الأمور، و السلام.
فكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فقد بلغنى كتابك تذكر إعزاز الله أهل دينه، و خذلانه أهل عدوانه، و كفايته إيانا مئونة من عادانا، فالحمد لله على إحسانه فيما مضى، و حسن صنيعه فيما غبر، الذي عافى جماعة المسلمين، و أكرم بالشهادة فريقا من المؤمنين، فهنيئا لهم رضا ربهم، و كرامته إياهم، و نسأل الله أن لا يحرمنا أجرهم، و لا يفتنا بعدهم، فقد نصحوا الله و قضوا ما عليهم، و لربهم كانوا يحفدون، و لأنفسهم كانوا يمهدون، و قد فهمت ما ذكرت من أمر الأرض التي ظهر عليها و على أهلها المسلمون، فقالت طائفة: نقر أهلها، على أن يؤدوا الجزية للمسلمين، و يكونوا للأرض عمارا.
و رأت طائفة أن يقتسموهم، و إنى نظرت فيما كتبت فيه، ففرق لى من الرأى فيما سألتنى عنه أنى رأيت أن تقرهم، و تجعل الجزية عليهم، و تقسمها بين المسلمين، و يكونوا للأرض عمارا، فهم أعلم بها و أقوى عليها، أ رأيتم لو أنا أخذنا أهلها فاقتسمناهم، من كان يكون لمن يأتى بعدنا من المسلمين؟ و الله ما كانوا ليجدوا إنسانا يكلمونه، و لا ينتفعون بشيء من ذات يده، و إن هؤلاء يأكلهم المسلمون ما داموا أحياء، فإذا هلكنا و هلكوا أكل أبناؤنا أبناءهم أبدا ما بقوا، و كانوا عبيدا لأهل الإسلام ما دام دين الإسلام ظاهرا، فضع عليهم الجزية، و كف عنهم السباء، و امنع المسلمين من ظلمهم و الإضرار بهم و أكل أموالهم إلا بحقها، و السلام عليك.
فلما جاء أبا عبيدة هذا الرأى من عمر عمل به، و كان رأيه و رأى عمر فى ذلك واحدا [١].
و قال علقمة بن الأرث القينى فى يوم فحل:
و نحن قتلنا كل واف سباله* * * من الروم معروف النجار منطق
نطلق بالبيض الرقاق نساءهم* * * و أبنا إلى أزواجنا لم تطلق
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٩- ١٤٢).