الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٢٥ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
قيس، و يحمل رايتنا أبو لبابة، فانتهينا إلى اليمامة، فننتهى إلى قوم هم الذين قال الله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [الفتح: ١٦].
فلما صففنا صفوفنا و وضعنا الرايات مواضعها، لم يلبثوا أن حملوا علينا، فهزمونا مرارا، فنعود إلى مصافنا و فيها خلل، و ذلك أن صفوفنا كان مختلطة، فيها حشو كثير من الأعراب فى خلال صفوفنا، فينهزم أولئك الناس فيستخفون أهل البصائر و النيات، حتى كثر ذلك منهم، ثم إن الله بمنه و فضله رزقنا عليهم الظفر، و ذلك أن ثابت بن قيس نادى خالد بن الوليد: أخلصنا، فقال: ذلك إليك، فناد فى أصحابك، قال: فأخذ الراية و نادى: يا للأنصار، فتسللت إليه رجلا رجلا، فنادى خالد للمهاجرين، فأحدقوا به، و نادى عدى بن حاتم، و مكنف بن زيد الخيل الطائى بطيئ، فثابت إليهما طيئ، و كانوا أهل بلاء حسن، و عزلت الأعراب عنا ناحية، فقاموا من ورائنا غلوة أو أكثر، و إنما كنا نؤتى من الأعراب.
قال رافع: فانتهينا إلى جمعهم فصبروا و صبرنا صبرا لم ير مثله قط، لم تزل الأقدام، فذكرت بيتى قيس بن الحطيم:
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا* * * صدود الخدود و ازورار المناكب
صدود الخدود و القنا متشاجر* * * و لا تبرح الأقدام عند التضارب [١]
قال: و اجهضهم أهل السوابق و البصائر، فهم فى نحورهم ما يجد أحد مدخلا إلا أن يقتل رجل منهم، أو يخرج فيقع، فيخلف مقامه آخر، حتى أوجعنا فيهم و بان خلل صفوفهم، و ضجوا من السيف، ثم اقتحمنا الحديقة، فضاربوا فيها، و علقنا الحديقة، و أقمنا على بابها رجالا لئلا يهرب منهم أحد، فلما رأوا ذلك عرفوا أنه الموت، فجدوا فى القتال، و دكت السيوف بيننا و بينهم، ما فيها رمى بسهم و لا حجر و لا طعن حتى قتلنا عدو الله مسيلمة، فقيل لرافع: يا أبا عبد الله، أى القتلى كان أكثر، قتلاكم أو قتلاهم؟ قال: قتلاهم أكثر من قتلانا و أخبث، أحسبنا قتلنا منهم ضعف ما قتلوا منا مرتين، فقد قتل من الأنصار يومئذ زيادة على التسعين، و جرح منهم مائتان، و لقد لقينا بنى سليم بالجواء، و أنهم لمجروحون، فأبلوا بلاء حسنا.
و كان أبو خيثمة النجارى يقول: لما انكشف المسلمون يوم اليمامة تنحيت ناحية،
[١] انظر الأبيات فى: ديوانه ص (٤١)، الخزانة للبغدادى (٣/ ١٦٥)، الأشباه و النظائر للخالديين (٢٧، ٢٨).