الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٤٧ - تأمير عمر، رضى الله عنه، سعد بن أبى وقاص على العراق و ذكر الخبر عن حرب القادسية
و لا أسوأ ذات بين منكم، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحى فيكفونناكم لا نغزوكم فارس و لا تطمعون أن تقوموا لهم، فإن كان عدد لحق فلا يغرنكم منا، و إن كان الجهد دعاكم فرضنا لكم قوتا و أكرمنا وجوهكم و كسوناكم، و ملكنا عليكم ملكا يرفق بكم.
فأسكت القوم.
فقام المغيرة بن زرارة النباش الأسدي، فقال: أيها الملك، إن هؤلاء رءوس العرب و وجوههم، و هم أشراف يستحيون من الأشراف، و إنما يكرم الأشراف الأشراف، و يعظم حقوق الأشراف الأشراف، و تفخم الأشراف الأشراف، و ليس كل ما أرسلوا به جمعوه لك، و لا كل ما تكلمت به أجابوك عليه، و قد أحسنوا و لا يحسن بمثلهم إلا ذلك، فجاوبنى لأكون الذي أبلغك، و يشهدون على ذلك، أنك قد وصفتنا، فأما ما ذكرت من سوء الحال، فما كان أحد أسوأ حالا منا، و أما جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس و الجعلان و العقارب و الحيات، فنرى ذلك طعاما. و أما المنازل فإنما هى ظهر الأرض، و لا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل و أشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، و يغير بعضنا على بعض، فإن كان أحدنا ليدفن ابنته و هى حية كراهية أن تأكل من طعامنا، فكانت حالتنا قبل اليوم على ما ذكرت لك، و بعث الله إلينا رجلا معروفا، نعرف نسبه، و نعرف وجهه و مولده، فأرضه خير أرضنا، و حسبه خير أحسابنا، و بيته أعظم بيوتنا، و قبيلته خير قبائلنا، و هو بنفسه كان خيرنا فى الحال التي كان فيها أصدقنا و أجملنا، فدعانا إلى أمر فلم يجبه أحد، أول من ترب له كان الخليفة من بعده، فقال و قلنا، و صدق و كذبنا، و زاد و نقصنا، فلم يقل شيئا إلا كان، فقذف الله فى قلوبنا اتباعه و التصديق له، فصار فيما بيننا و بين رب العالمين، فما قال لنا فهو قول الله، و ما أمرنا به فهو أمر الله، فقال لنا: إن ربكم يقول: إنى أنا الله وحدى لا شريك لى، فكنت إذ لم يكن شيء و كل شيء هالك إلا وجهى، و أنا خلقت كل شيء و إلىّ مصير كل شيء، و أن رحمتى أدركتكم فبعثت إليكم هذا الرجل لأدلكم على السبيل التي بها أنجيكم بعد الموت من عذابى، و لأحلكم دارى، دار السلام، فنشهد عليه أنه جاء بالحق من عند الله، و قال: من تابعكم على هذا فله ما لكم و عليه ما عليكم، و من أبى فاعرضوا عليه الجزية، ثم أمنعوهم مما تمنعون منه أنفسكم، و من أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم. فمن قتل منكم أدخلته الجنة، و من بقى منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية عن يد و أنت صاغر، و إن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجو بنفسك. فقال: أ تستقبلني بمثل هذا؟
فقال: ما استقبلت إلا من كلمنى، و لو كلمنى غيرك لم أستقبلك به. فقال: لو لا أن