الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٤٣ - ذكر فتح مصر
فأجابهم من بها من الروم، فخرج إليهم عمرو بن العاص فى البر و البحر، فقاتلهم قتالا شديدا، فهزمهم الله و قتل منويل، و لم يكن المقوقس تحرك و لا نكث.
و يقال: أن هذا انتقاض ثان للإسكندرية بعد انتقاضها الذي ذكره ابن لهيعة أولا و كان ذلك فى زمان عمر، و هذا الذي ذكر يزيد بن أبى حبيب فى خلافة عثمان، رضى الله عنهما، و سيأتى ذكره فى موضعه مستوفى إن شاء الله.
و قيل: إن جميع من قتل من المسلمين من حين كان من أمر الإسكندرية ما كان إلى أن فتحت اثنان و عشرون رجلا.
و بعث عمرو بن العاص، معاوية بن حديج [١] وافدا إلى عمر بن الخطاب يبشره بالفتح، فقال له معاوية: أ لا تكتب معى؟ فقال له عمرو: ما أصنع بالكتاب، أ لست رجلا عربيا تبلغ الرسالة و ما رأيت و حضرته؟.
فلما قدم على عمر أخبره بفتح الإسكندرية، فخر عمر ساجدا و قال: الحمد لله.
و يروى عن معاوية بن حديج أنه قال: قدمت المدينة فى الظهيرة فأنخت راحلتى بباب المسجد، ثم دخلت المسجد، فبينا أنا قاعد فيه إذ خرجت جارية من منزل عمر بن الخطاب فرأتنى شاحبا علىّ ثياب السفر، فأتتنى فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا معاوية بن حديج رسول عمرو بن العاص. فانصرفت عنى، ثم أقبلت تشتد، فقالت: قم فأجب أمير المؤمنين. فتبعتها، فلما دخلت إذا بعمر بن الخطاب يتناول رداءه فقال: ما عندك؟ فقلت:
خير يا أمير المؤمنين، فتح الله الإسكندرية، فخرج معى إلى المسجد فقال للمؤذن: أذن فى الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال لى: قم فأخبر أصحابك. فقمت فأخبرتهم، ثم صلى و دخل منزله و استقبل القبلة فدعا بدعوات ثم جلس فقال: يا جارية، هل من طعام؟ فأتت بخبز و زيت، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: كل فإن المسافر يحب الطعام، فلو كنت آكلا لأكلت معك. فأصبت على حياء، ثم قال: يا جارية، هل من تمر؟ فأتت بتمر فى طبق، فقال: كل، فأكلت على حياء، ثم قال: ما ذا قلت يا معاوية حين أتيت المسجد؟ قال: قلت: أمير المؤمنين قائل [٢]. قال: بئس ما قلت، أو بئس ما ظننت. لئن نمت بالنهار لأضيعن الرعية، و لئن نمت الليل لأضيعن نفسى، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية؟.
[١] انظر ترجمته فى: أسد الغابة ترجمة رقم (٤٩٨٠).
[٢] القائل: هو النائم فى وسط النهار. انظر: القاموس المحيط للفيروزآباديّ (٤/ ٤٢).