الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٣٢ - ذكر فتح مصر
الرجل قد سمعت مقالتك و ما ذكرت عنك و عن أصحابك، و لعمرى ما بلغتم إلا بما ذكرت، و ما ظهرتم على من ظهرتم عليه إلا بحبهم الدنيا و رغبتهم فيها، و قد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم ما لا يحصى عدده، قوم يعرفون بالنجدة و الشدة، لا يبالى أحدهم من لقى و لا من قاتل، و إنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم، و لن تطيقونهم لضعفكم و قلتكم و قد أقمتم بين أظهرنا أشهرا و أنتم فى ضيق و شدة من معاشكم و حالكم، و نحن نرق عليكم لضعفكم و قلتكم و قلة ما بأيديكم، و نحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين دينارين، و لأميركم مائة دينار، و لخليفتكم ألف دينار، فتقبضوها و تنصرفوا إلى بلادكم، قبل أن يغشاكم ما لا قبل لكم به.
فقال عبادة بن الصامت: يا هذا لا تغرن نفسك و لا أصحابك، أما ما تخوفنا به من جمع الروم و عددهم و كثرتهم، و أنا لا نقوى عليهم، فلعمرى ما هذا بالذى يخوفنا، و لا بالذى يكسرنا عما نحن فيه، إن كان ما قلتم حقا فذلك و الله أرغب ما يكون فى قتالكم، و أشد لحرصنا عليكم؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه، و إن قتلنا من آخرنا كان أمكن لنا فى رضوانه و جنته، و ما من شيء أقر لأعيننا و لا أحب إلينا من ذلك، و إنا منكم حينئذ على إحدى الحسنيين: إما أن تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا، و إنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا، و إن الله عز و جل قال لنا فى كتابه: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩]، و ما منا من رجل إلا و هو يدعو ربه صباحا و مساء أن يرزقه الله الشهادة و ألا يرده إلى بلاده و لا إلى أرضه و لا إلى أهله و ولده، و ليس لأحد منا همّ فيما خلفه، و قد استودع كل واحد منا ربه فى أهله و ولده، و إنما همنا ما أمامنا، و أما قولك: إنا فى ضيق و شدة من معاشنا و حالنا، فنحن فى أوسع السعة، لو كانت الدنيا كلها لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه، فانظر الذي تريد فبينه لنا، فليس بيننا و بينك خصلة نقبلها منك و لا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث، فاختر أيها شئت و لا تطمع نفسك بالباطل، بذلك أمرنى الأمير، و به أمره أمير المؤمنين، و هو عهد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) من قبل إلينا: إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، و هو دين أنبيائه و رسله و ملائكته، أمرنا أن نقاتل من خالفه و رغب عنه حتى يدخل فيه، فإن فعل كان له ما لنا و عليه ما علينا، و كان أخانا فى دين الله، فإن قبلت ذلك أنت و أصحابك فقد سعدتم فى الدنيا و الآخرة، و رجعنا عن قتالكم، و لم نستحل أذاكم و لا التعرض لكم، و إن أبيتم إلا الجزية فأدوا إلينا الجزية عن يد و أنتم