الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٣٤ - ذكر فتح مصر
قالوا: فنكون لهم عبيدا أبدا؟.
قال: نعم، أن تكونوا عبيدا منبسطين [١] فى بلادكم، آمنين على أنفسكم و أموالكم و ذراريكم، خير لكم من أن تموتوا من آخركم، أو تكونوا عبيدا تباعون و تمزقون فى البلاد مستعبدين أبدا أنتم و أهلكم و ذراريكم.
قالوا: فالموت أهون علينا، و أمروا بقطع الجسر من الفسطاط و الجزيرة، و بالقصر من القبط و الروم جمع كثير.
فألح المسلمون عند ذلك بالقتال على من فى القصر، حتى ظفروا بهم و أمكن الله منهم، فقتل منهم خلق كثير، و أسر من أسر، و انحازت السفن كلها إلى الجزيرة، و صار المسلمون قد أحدق بهم الماء من كل جهة لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد و لا إلى غير ذلك من المدائن و القرى، و المقوقس يقول لأصحابه: أ لم أعلمكم هذا و أخفه عليكم؟ ما تنتظرون، فو الله لتجيبن إلى ما أرادوا طوعا أو لتجيبنهم إلى ما هو أعظم كرها، فأطيعونى من قبل أن تندموا.
فلما رأوا منهم ما رأوا، و قال لهم المقوقس ما قال، أذعنوا بالجزية، و رضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه.
فأرسل المقوقس إلى عمرو بن العاص: أنى لم أزل حريصا على إجابتك إلى خصلة من الخصال التي أرسلت إلىّ بها فأبى ذلك علىّ من حضرنى من الروم و القبط، فلم يكن لى أن أفتات عليهم فى أموالهم، و قد عرفوا نصحى لهم و حبى صلاحهم فرجعوا إلى قولى، فأعطنى أمانا أجتمع أنا و أنت، أنا فى نفر من أصحابى، و أنت فى نفر من أصحابك، فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعا، و إن لم يتم رجعنا إلى ما كنا عليه.
فاستشار عمرو أصحابه فى ذلك، فقالوا: لا نجيبهم إلى شيء من الصلح و لا الجزية حتى يفتح الله علينا، و تصير كلها لنا فيئا و غنيمة كما صار لنا القصر و ما فيه.
فقال عمرو: قد علمتم ما عهد إلىّ أمير المؤمنين فى عهده، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلىّ فيها أجبتم إليها و قبلت منهم، مع ما قد حال هذا الماء بيننا و بين ما نريد من قتالهم.
فاجتمعوا على عهد بينهم، و اصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها
[١] فى ابن عبد الحكم: مسلطين.