الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٧ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
قال هاشم بن عتبة (رحمه الله): و الله لقد كنا أشفقنا يومئذ، على خيلنا أول النهار، ثم أحسن الله، فما هو إلا أن رأينا خيلنا قد نصرها الله على خيلهم، فدعوت الناس إلىّ و أمرتهم بتقوى الله، ثم نزلت، فهززت رايتى، ثم قلت: و الله لا أردها حتى أركزها فى صفهم، فمن شاء فليتبعنى، و من شاء فليتخلف عنى، قال: فو الذي لا إله غيره، ما أعلم أن أحدا من أصحاب رايتى تخلف عنى، حتى انتهيت إلى صفهم، فنضحونا بالنشاب، فجثونا على الركب و اتقيناهم بالدرق.
ثم ثرت بلوائى و قلت لأصحابى: شدوا عليهم أنا فداؤكم، فإنها غنيمة الدنيا و الآخرة، فشددت و شدوا معى، فأستقبل عظيما منهم قد أقبل نحوى فأوجزه الرمح، فخر ميتا، و ضاربناهم بالسيوف ساعة فى صفهم، و حمل عليهم خالد من قبل ميسرتهم فقتلهم قتلا ذريعا، و انتقضت صفوفهم من قبل خالد و من قبلى، و نهد إليهم أبو عبيدة بالناس، و أمر الخيل التي كانت تليه من خيل خالد، فحملت عليهم، فكانت هزيمتهم [١].
و قال عمرو بن مالك القينى عن أبيه: كان منا رجل له فينا منزلة و حال حسنة، قال:
فقلت فى نفسى: قد بلغنى أن صاحب العرب هذا، يعنى أبا عبيدة، رجل صدق، فو الله لآتينه فلأصحبنه و لأتعلمن منه. قال: فكنت آتيه و أخرج معه إذا خرج إلى عسكره، فلما كان ذلك اليوم أقبل حتى كان إلى جنب أبى عبيدة، فألظ به لا يفارقه، قال: فو الله لرأيته يقص علينا، و يقول: كونوا عباد الله أولياء الله، و ارغبوا فيما عند الله أشد من رغبتكم فى الدنيا، و لا تواكلوا فتخاذلوا، و ليغن كل رجل منكم قرنه، و أقدموا إقدام من يريد بإقدامه ثواب الله، و لا يكن من لقيكم من عدوكم أصبر على باطلهم منكم على حقكم، ثم نهض يمشى إليهم، و نهض المسلمون معه تحت راياتهم ببصيرة و سكينة و دعة و حسن رعة، و حمل قيس بن هبيرة على الروم من قبل ميسرتهم، فقصف بعضهم على بعض [٢].
و عن يحيى بن هانئ المرادى: أن قيسا قطع يومئذ ثلاثة أسياف، و كسر بضعة عشر رمحا، و كان يقاتل و يقول:
لا يبعدن كل فتى كرار* * * ماضى الجنان شاحب صبار
حين تهم الخيل بالإدبار* * * يقدم إقدام الشجاع الضارى
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (١٢٣- ١٢٤).
[٢] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٣٤- ١٣٥).