الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٤ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
الله فعل، قال باهان: فإنى أريد أن ألقى الحشمة فيما بينى و بينك و أكلمك كلام الأخ أخاه، إن قبتك هذه الحمراء قد أعجبتنى فأنا أحب أن تهبها لى، فإنى لم أر قبة من القباب أحسن منها، فخذ ما بدا لك فيها و سلنى ما أحببت فهو فى يدك، فقال له خالد:
خذها فهى لك، و لست أريد من متاعك شيئا، قال: و الله ما ظننته سألها إلا لينظر إليها، فإذا هو قد أخذها، ثم قال لخالد: إن شئت بدأتك فتكلمت، و إن شئت أنت فتكلم، فقال له خالد: ما أبالى أى ذلك كان، أما أنا فلا أخالك إلا و قد بلغك و علمت ما أسأل و أطلب، و ما أدعو إليه، و قد جاءك بذلك أصحابك و من لقينا منهم بأجنادين و مرج الصفر و فحل و مدائنكم و حصونكم، و أما أنت فلست أدرى ما تريد أن تقول، فإن شئت فتكلم، و إن شئت بدأتك فتكلمت، فقال باهان:
الحمد لله الذي جعل نبينا أفضل الأنبياء، و ملكنا أفضل الملوك، و أمتنا أفضل الأمم، فلما بلغ هذا المكان، قال خالد و قطع على باهان منطقه: و الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا و نبيكم، و بجميع الأنبياء، و جعل الأمير الذي وليناه أمورنا رجلا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا، و لسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلا إلا أن يكون أتقى منه عند الله، و أبر، و الحمد لله الذي جعل أمتنا تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر، و تقر بالذنب و تستغفر منه، و تعبد الله وحده لا تشرك به شيئا، قل الآن ما بدا لك.
فاصفر وجه باهان و سكت قليلا، ثم قال: الحمد لله الذي أبلانا فأحسن البلاء عندنا فأغنانا من الفقر، و نصرنا على الأمم، و أعزنا فلا نذل، و منعنا من الضيم فلا تباح حرمتنا، و لسنا فيما أعزنا الله به و أعطانا من ديننا ببطرين و لا مرحين، و لا باغين على الناس، و قد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن جوارهم، و نعظم رفدهم، و نفضل عليهم، و نفى لهم بالعهد، و خيرناهم بلادنا، ينزلون منها حيث شاءوا، فينزلون آمنين، و يرحلون آمنين، و كنا نرى أن جميع العرب ممن لا يجاورنا سيشكرون لنا ذلك الذي آتينا إلى إخوانهم، و ما اصطنعنا عندهم فلم يرعنا منهم إلا و قد فاجأتمونا بالخيل و الرجال، تقاتلوننا على حصوننا، و تريدون أن تغلبونا على بلادنا، و قد طلب هذا منا قبلكم من كان أكثر منكم عددا و أعظم مكيدة و أقوى جدا، فلم يرجعوا عنا إلا و هم بين أسير و قتيل، و أرادت ذلك منا فارس، فقد بلغكم كيف صنع الله بهم، و أراد ذلك منا الترك فلقيناهم بأشد مما لقينا به فارس، و أرادنا غيرهم من أهل المشرق و المغرب، من ذوى المنعة و العز و الجنود العظيمة، فكلهم أظفرنا الله بهم، و صنع لنا عليهم، و لم تكن أمة من الأمم بأدق عندنا منكم شأنا و لا أصغر أخطارا، إنما جلكم رعاء الشاء و الإبل