الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٢٨ - حديث وقعة جلولاء
فلما كان بمهروذ أتاه دهقانها فصالحه على أن يفرش له جريبا دراهم، فقبل منه و مضى إلى جلولاء، فقدم على قوم قد أعدوا عدة عظيمة، و تحرزوا بالخنادق، فقاتلوهم قتالا شديدا عن العيال و الذرارى، و كتب هاشم إلى سعد يستمده، و أتى المشركون أهل أذربيجان مددا فعاجلوهم القتال، و كثروهم، فجال المسلمون و انكشفوا، فناداهم هاشم:
يا معشر المسلمين أين؟ أ ما رأيتم ما خلفتم؟ أ تأتون عمر منهزمين؟ فعطف الناس، و على الميمنة حجر بن عدى، و على الميسرة عمرو بن معدى كرب، و على الخيل زهرة بن جوية، و على الرجال طليحة بن خويلد، فاشتد القتال بينهم حتى مضى وقت الظهر فصلى المسلمون يومئون إيماء، و ألح المشركون عليهم، و طلعت كتيبة للمشركين حامية فجازت الخندق، ثم طلعت أخرى، فقال طليحة و عمرو بن معدى كرب: يا معشر الفرسان، الأرض و اقرنوا خيولكم، ففعلوا و جثوا و أشرعوا الرماح فرجعت الخيل عنهم، و رموهم بالنشاب، فتترسوا، فمكثوا بذلك مليا، و أشفق المسلمون فحضهم طليحة و زهرة و عمرو، فبينا هم على ذلك إذ سمعوا تكبيرا للمسلمين وراءهم، فإذا قيس بن مكشوح قد جاءهم فى ألف و أربعمائة فارس و ستمائة راجل، فانهزم المشركون قبل أن يصل إليهم، و هاجت ريح شديدة أظلمت لها الأرض، فتهافت المشركون فى الخندق، و اتبعهم المسلمون فانتهوا إلى خنادقهم و قد انجلت عنهم الظلمة فركبوا أكتافهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة و حووا عسكرهم، فأصابوا شيئا لم يصيبوا مثله من الأموال و السلاح و المتاع و السبايا و الدواب، فجمع ذلك كله إلى هاشم، فجاء رجل من آل خارجة بن الصلت بتمثال ناقة من ذهب موشحة بالدر و ألقاها فى المغنم، و جاء مجفر بن ثعلبة بجارية، و جاء كل رجل بما صار فى يديه، فحمل هاشم ذلك كله إلى سعد، فكتب سعد إلى عمر بالفتح و بما أصاب من السبايا و استأذنه فى اتباع العجم و المسير إلى الجبال، فكتب إليه عمر، (رحمه الله): أقم مكانك عامك هذا حتى ننظر، و احذر على المسلمين، و اترك أهل الجبال ما تركوك، فوددت أن بيننا و بين الجبال سدا من نار لا يخلصون إلينا و لا نخلص إليهم، حسبنا من الريف السواد، فأقم و لا تطلب ما سوى ذلك عامك هذا إلا أن ينزل عدو بقربك، و اقسم بين المسلمين ما أفاء الله عليهم.
و كانت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، فبلغت السهام ثلاثة آلاف، للفرس سهمان و للراجل سهم، و قال قوم: كانت الغنائم ستة و ثلاثين ألف ألف، و كانت السهام ستة آلاف و ثمانية من الدواب، للفرس سهمان و للراجل سهم، فحمل سعد الخمس مع زياد ابن أبى سفيان.