الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٤٣ - ذكر الجزيرة، و ذكر السبب الذي دعا عمر إلى الأمر بقصدها
و عاين عامر منهم عديدا* * * و دهما مثل سائمة الجراد
و خرج الوليد بن عقبة [١] حتى قدم على بنى تغلب و عرب الجزيرة، فنهض معه مسلمهم و كافرهم إلا أياد بن نزار، فإنهم ارتحلوا بكليتهم، فاقتحموا أرض الروم، فكتب الوليد بذلك إلى عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، فكتب إلى ملك الروم: إنه بلغنى أن حيا من أحياء العرب ترك دارنا و أتى دارك، فو الله لتخرجنه أو لننبذن إلى النصارى، ثم لنخرجنهم إليك. فأخرجهم ملك الروم، فتم منهم على الخروج أربعة آلاف، و خنس بقيتهم، فتفرقوا مما يلى الشام و الجزيرة من بلاد الروم، فكل أيادى فى أرض العرب من أولئك الأربعة آلاف، و أبى الوليد أن يقبل من بنى تغلب إلا الإسلام، و كتب فيهم إلى عمر، فأجابه: إنما ذلك لجزيرة العرب لا يقبل منهم فيها إلا الإسلام، فدعهم على أن لا ينصروا وليدا، و أقبل منهم إذا أسلموا، فقبل منهم على أن لا ينصروا وليدا، و لا يمنعوا أحدا منهم من الإسلام، و أبى بعضهم إلا الجزاء، و رضى منهم بما رضى به من العباد و تنوخ.
و فى حديث عن أبى سيف التغلبى [٢]: أن رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) كان عاهد وفد بنى تغلب على أن لا ينصروا وليدا، فكان ذلك الشرط على الوفد و على من وفدهم، و لم يكن على غيرهم، فلما كان زمان عمر قال مسلموهم: لا تنفروهم بالخراج فيذهبوا، و لكن أضعفوا عليهم الصدقة التي تأخذونها من أموالهم، فإنهم يغضبون من ذلك الجزاء على أن لا ينصروا وليدا إذا أسلم آباؤهم، فخرج وفدهم فى ذلك إلى عمر، (رحمه الله).
و لما بعث الوليد إليه برءوس النصارى و بديانيهم، فأمرهم عمر بأداء الجزية، قالوا له:
أبلغنا مأمننا، فو الله لئن وضعت علينا الجزاء لندخلن أرض الروم، و و الله لتفضحنا من بين العرب، فقال لهم: أنتم فضحتم أنفسكم، و خالفتم أمتكم، و الله لتؤدنها و أنتم صغرة قمأة، و لئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا و لا تسميه جزاء، فقال: أما نحن فنسميه الجزاء، و سموه أنتم ما شئتم. فقال له على بن أبى طالب و أصغى إليه عمر: يا أمير المؤمنين، أ لم يضعف عليهم سعد بن مالك الصدقة؟ قال: بلى،
[١] انظر ترجمته فى: طبقات ابن سعد (٦/ ٢٤)، الجرح و التعديل (٩/ ٨)، تاريخ ابن عساكر (١٧/ ٤٣٤)، تذهيب التهذيب (٤/ ١٣٨)، البداية و النهاية (٨/ ٢١٤)، العقد الثمين (٧/ ٣٩٨)، تهذيب التهذيب (١١/ ١٤٢)، أسد الغابة ترجمة رقم (٥٤٧٥)، الإصابة ترجمة رقم (٩١٦٧).
[٢] انظر: الطبرى (٤/ ٥٦).