الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٤٨٥ - حديث يوم عماس، و هو اليوم الثالث من أيام القادسية
و قد كان عاصم بن عمرو أمر أن يصنع مثلها، فجاءوا من قبل خفان، فتقدم الفرسان و تكتبت الكتائب، فاختلف الطعن و الضرب، و مدد المسلمين متتابع، فما جاء آخر أصحاب القعقاع حتى انتهى إليهم هاشم، و قد طوى فى سبعمائة، فأخبروه برأى القعقاع و ما صنع فى يومه، فعبأ أصحابه سبعين سبعين، فلما نجز آخر أصحاب القعقاع خرج هاشم فى سبعين معه، فيهم قيس بن هبيرة المرادى، و هو ابن المكشوح، فأقبل هاشم حتى إذا خالط القلب، كبر و كبر المسلمون، و قد أخذوا مصافهم، و قال هاشم:
أول القتال المطاردة ثم المراماة، فأخذ قوسه، فوضع سهما ثم نزع فرفعت فرسه رأسها، فخل أذنيها، فضحك و قال: وا سوأتاه من رمية رجل ينتظره كل من رآه، أين ترون سهمى كان بالغا؟ فقيل: العتيق. فنزقها و قد نزع السهم عن أذنيها، ثم ضربها حتى وقفت على العتيق، ثم ضربها فأقبلت تخرقهم حتى عاد إلى موقفه، و قيل: إنه نزل عن فرسه و فعل ذلك راجلا، فالله أعلم.
و ما زالت مقانبه تطلع و قد بات المشركون فى علاج توابيتهم حتى أعادوها على الفيلة، فأصبحوا على موافقهم، و أقبلت الفيلة معها الرجالة يحمونها أن تقطع وضنها، و مع الرجالة فرسان يحمونهم، إذا أرادوا كتيبة دلفوا إليها بفيل و أتباعه، لينفروا بهم خيلهم، فلم يكن ذلك منهم كما كان بالأمس؛ لأن الفيل إذا كان وحده ليس معه أحد كان أوحش، و إذا طافوا به كان آنس، فكان الفيل كذلك حتى عدل النهار.
و لما قدم قيس بن المكشوح مع هاشم، قام فيمن يليه فقال: يا معشر العرب، إن الله، عز و جل، قد من عليكم بالإسلام، و أكرمكم بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم)، فأصبحتم بنعمته إخوانا، دعوتكم واحدة و أمركم واحد، بعد إذ أنتم يعدو بعضكم على بعض عدو الأسد، و يختطف بعضكم بعضا اختطاف الذئاب، فانصروا الله ينصركم، و تنجزوا من الله تعالى فتح فارس، فإن إخوتكم من أهل الشام قد أنجز الله تعالى لهم فتح الشام، و انتثال القصور الحمر و الحصون الحمر.
و خرج يوم عماس رجل من العجم حتى إذا كان بين الصفين هدر و شقشق و نادى:
من يبارز؟ فخرج إليه رجل من المسلمين يقال له: شبر بن علقمة، و كان قصيرا دميما، فقال: يا معشر المسلمين، قد أنصفكم الرجل، فلم يجبه أحد، و لم يخرج إليه أحد، فقال:
أما و الله لو لا أن تزدرونى لخرجت إليه، فلما رأى أنه لا يمنع أخذ سيفه و جحفته، ثم تقدم، فلما رآه الفارسى هدر، ثم نزل إليه فاحتمله، فألقاه ثم جلس على صدره ثم أخذ سيفه ليذبحه، و مقود فرسه مشدود بمنطقته، فلما استل السيف حاص الفرس حيصة