الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٥٨٧ - ذكر مسير يزدجرد إلى خراسان و دخول الأحنف إليها غازيا
و لما بلغ رسول يزدجرد إلى خاقان لم يستتب له إنجاده حتى عبر إليه النهر مهزوما، و قد استتب له ذلك، و الملوك ترى على أنفسها إنجاد الملوك، فأقبل فى الترك، و حشر أهل فرغانة و الصغد، ثم خرج بهم، و خرج يزدجرد راجعا إلى خراسان حتى عبر النهر إلى بلخ، و عبر معه خاقان، فأرز أهل فارس إلى الأحنف بمروالروذ، و جاء المشركون حتى نزلوا بها عليه، و كان حين بلغه عبورهم قاصدين له، خرج ليلا فى عسكره يتسمع فى ليلة مظلمة هل يسمع برأى ينتفع به؟ فمر برجلين ينقبان علفا، إما تبنا و إما شعيرا، و أحدهما يقول لصاحبه: لو أن الأمير أسندنا إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا و بين عدونا خندقا، و الجبل فى ظهورنا لئلا يأتونا من خلفنا، و كان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله عز و جل. فرجع الأحنف و اجتزأ بها.
فلما أصبح جمع الناس و قال: إنكم قليل و إن عدوكم كثير، فلا يهولنكم، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، و الله مع الصابرين، ارتحلوا من مكانكم هذا فأسندوا إلى هذا الجبل، فاجعلوه فى ظهوركم، و اجعلوا النهر بينكم و بين عدوكم، و قاتلوهم من وجه واحد، ففعلوا، و قد أعدوا ما يصلحهم، و الأحنف فى عشرة آلاف من أهل البصرة، و أهل الكوفة نحو منهم، و أقبلت الترك و من اجتلبت حتى نزلوا بهم، فكانوا يغادونهم و يراوحونهم، و يتنحون عنهم بالليل ما شاء الله.
و طلب الأحنف علم مكانهم بالليل حتى علم علمهم، ثم خرج ليلة طليعة لأصحابه حتى كان قريبا من عسكر خاقان فوقف، فلما كان فى وجه الصبح خرج فارس الترك بطوقه و ضرب طبله، ثم وقف من العسكر موقفا مثله، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله، و هو يرتجز:
إن على كل رئيس حقا* * * أن يخضب الصعدة أو تندقا
إن لها شيخا بها ملقا* * * سيف أبى حفص الذي تبقى
ثم وقف موقف التركى و أخذ طوقه، ثم خرج آخر من الترك، ففعل فعل صاحبه، ثم وقف دونه، فحمل عليه الأحنف، فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله و هو يرتجز:
إن الرئيس يرتبى و يطلع* * * و يمنع الخلاء إذا ما أرتعوا
ثم وقف موقف التركى الثانى، و أخذ طوقه، ثم خرج ثالث من الترك، ففعل فعل صاحبه، و وقف دون الثانى منهما، فحمل عليه الأحنف فاختلفا طعنتين، فطعنه الأحنف فقتله و هو يرتجز: